من مشروع سيادي إلى غنيمة عائلية.. بين سيناريو الإهمال وسيناريو الاستحواذ

تحقيق استقصائي/ عفاف الفرجاني




في العام 2006، كان المشهد مختلفًا تمامًا، على شاطئ طرابلس الغربي، وقف مسؤولون ليبيون إلى جانب وفد كوري رفيع المستوى وهم يضعون حجر أساس مشروع فندقي ضخم، واثقين من أنهم يؤسسون لـ صرح سياحي عالمي سيحمل اسم ليبيا إلى خرائط السياحة الدولية. يومها لم يكن اسم “جي دبليو ماريوت طرابلس” قد ظهر بعد؛ كان المشروع يُعرف باسمه الفني الأول، لكن التصميم، والمواصفات، وطبيعة الشركاء قالت بوضوح إن طرابلس على وشك أن تستقبل واحدًا من أفخم فنادق السلسلة الأمريكية الشهيرة في أفريقيا والمتوسط.
البداية.. المشروع قام على شراكة واضحة المعالم 70 ٪ من الأسهم لشركة داوو للهندسة والإنشاءات الكورية و30 ٪ من الأسهم لصالح الدولة الليبية ممثَّلة في صندوق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي.
ولإدارة هذه الشراكة، جرى تأسيس شركة مشتركة حملت في البداية اسم (شركة داوو طرابلس) قبل أن تُنقل ملكية أسهمها الليبية إلى شركة أويا السياحية التابعة للصندوق. أويا هذه كان يرأس مجلس إدارتها إبراهيم تاكيته، الرجل الذي سيظهر لاحقًا في دائرة القرب من عبد الحميد الدبيبة عندما صعد إلى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية، ويُكلِّفه برئاسة جهاز المراكز الإدارية الذي يعرفه الليبيون باسم (جهاز الدبيبة) لكثرة ما ارتبط اسمه به.
اختيار سلسلة JW Marriott كمشغل دولي لم يكن تفصيلًا عابرًا، فالتصميم الهندسي، وتجهيزات الغرف، وأنظمة الخدمة، وسعة القاعات، كلها أُنجزت بمعايير هذه السلسلة العالمية، لتكون طرابلس جزءًا من شبكة فندقية ذات اسم ثقيل في عالم الضيافة. العمل تسارع، ووصل المشروع إلى الجاهزية الكاملة للافتتاح في أوائل فبراير 2011.. ثم وقع ما لم يكن في الحسبان. منذ تلك اللحظة يبدأ الخط الزمني للكارثة.
ماريوت تمتنع عن التشغيل بحجة اندلاع أحداث فبراير في المنطقة الشرقية والافتتاح يُؤجل إلى أجل غير مسمى
تتبدل الحكومات، وتتبدل الولاءات، لكن الفندق يبقى مُطفأ الأنوار، ساكنًا على البحر، شاهدًا صامتًا على الفوضى الليبية.
خمسة عشر عامًا كاملة ظلّ فيها المشروع مغلقًا، قبل أن يظهر فجأة على الشاشات يوم 28 نوفمبر 2025 وهو يُفتتح من جديد برعاية عبد الحميد الدبيبة.. ولكن باسم مختلف، ومشغِّل غامض، وغياب كامل للشريك الكوري الذي كان يمتلك أغلب رأس المال!
أين ذهبت “داوو”؟
لماذا اختفت ماريوت؟
ومن يملك الفندق الآن فعليًّا؟
ما يلي ليس مجرد سرد تاريخي، بل تفكيك لسيناريوهين محتملين لما جرى خلف الكواليس، استنادًا إلى وثائق ومعلومات حصلت عليها الموقف الليبي، وشهادات من داخل الصندوق ومن حوله.
فشل دولة.. أم عجز متعمّد؟
في القراءة الظاهرية للأحداث قد يبدو أن ما جرى ليس أكثر من فشل إداري وأمني في دولة تقع تحت رحمة الميليشيات.
بعد أحداث 2011، عاشت طرابلس حالة انفلات أمني، وتمددت الكتائب المسلحة في مفاصل العاصمة. شركة جي دبليو ماريوت العالمية، كأي مستثمر دولي يحترم معايير السلامة، امتنعت عن تشغيل الفندق لسنوات طويلة بعد 2012بحجة ما تسميه “الفشل الأمني وتغوّل الميليشيات”.
في هذه الفترة، بقي الشريك الكوري، وهو المالك الأكبر لرأس المال، متمسكًا ببقاء المشغل الدولي، مراهنًا على أن الأوضاع قد تستقر، وأن الفندق سيُفتتح في ظروف طبيعية تحمي سمعته واستثماراته. لكن السنوات مضت واحدًة تلو الأخرى، والفندق يتحول إلى هيكل جاهز بلا روح، في ظل صراع سلطات وتنازع حكومات.
عام 2016 كان نقطة تحوّل حاسمة، عقب محاولة مجلس السراج دخول العاصمة عبر حادثة الفرقاطة الشهيرة، اندلعت أعمال شغب مسلحة قرب الفندق، تسببت في أضرار بواجهته الخارجية. قد تبدو الأضرار في ظاهرها (تجميلية) لكن الضربة الحقيقية جاءت عندما غادرت الفرقة المناوبة من شركة داوو الكورية التي كانت تحافظ على تشغيل الأنظمة الحيوية للمبنى، ولو في حدّها الأدنى.
بمغادرة هذه الفرقة، توقفت:
• منظومة تحلية المياه.
• منظومة الصرف الصحي.
• مضخات الشفط الرئيسية.
وهو ما أدى إلى تسرب مياه البحر إلى الطابق الأرضي والبدروم، مُحدثة خسائر وإهلاكات وصفها مهندسون بأنها “جسيمة” وتحتاج إلى إعادة تأهيل مكلفة جدًا.
في هذا الجو، أعلنت ماريوت رغبتها الرسمية في مغادرة المشروع.
المشغل العالمي خرج، والمبنى بدأ يشيخ قبل أن يعمل، وشركة أويا السياحية الذراع الليبي كانت تعاني أصلًا من أزمة مالية خانقة تشبه الإفلاس، ما جعل قدرتها على مواجهة الشريك الكوري أو تحمل كلفة الإصلاح شبه معدومة.
هنا يمكن قراءة ما حدث كصورة كلاسيكية لـ دولة فاشلة..
من تغييب الشريك الكوري إلى صعود إمبراطورية الدبيبة


في السنوات الأخيرة، بدأ اسم الفندق يظهر في مناسبات رسمية، تُعقد فيه اجتماعات ولقاءات لحكومات ما بعد فبراير، رغم عدم تشغيله فعليًّا كمرفق فندقي مكتمل. وخلال إحدى هذه المناسبات، ظهر عبد الحميد الدبيبة وهو يوبِّخ رئيس الشركة القابضة أمام عدسات الكاميرا ويتهمه بالتقصير في افتتاح الفندق. المشهد بدا في حينه حرصًا من رئيس الحكومة على استثمار أصول الدولة، لكن ردَّ رئيس القابضة، السيد الإدريسي، كان كاشفًا؛ إذ لم يشر إلى الشريك الكوري من قريب أو بعيد، بل اكتفى بالقول إنه “رهن إشارة رئيس الحكومة للتوجيه بما يجب عمله”.
هنا يطرح سؤال حاد: هل كان الإدريسي يخاطب الدبيبة بصفته رئيس حكومة، أم أنه كان يُدرك كما تقول مصادر خاصة لـ الموقف الليبي أن الدبيبة أصبح عمليًا مالكًا لحصة داوو الكورية، وأن المشكلة لم تعد بين الدولة وشريك أجنبي، بل بين شبكة مصالح داخلية تتفاوض مع نفسها على طريقة اقتسام الكعكة؟
الخطوات اللاحقة تعطي لهذا السؤال وزنًا أكبر.. فقد مارس فريق الدبيبة حسب شهادات من داخل الصندوق ضغوطًا شديدة على شركة الإنماء القابضة إلى أن جرى التوصل إلى ما سُمي بـالمصالحة، انتهت بنقل تبعية مساهمة الصندوق في الفندق من القابضة السياحية إلى مجلس إدارة الصندوق مباشرة.
هذه النقلة البيروقراطية لم تكن مجرد تغيير في الهيكل الإداري، بل كانت في الواقع تسليمًا للملف إلى يد واحدة هي يد مدير عام الصندوق ياسين الأبيض، الرجل المقرب جدًّا من الدبيبة.
الأبيض نفسه بدأ مساره المهني –وفقًا للمصادر ذاتها- سائقًا في الورشة التابعة لشركة “ليدكو” التي يرأس مجلس إدارتها الدبيبة منذ 2006، ما يطرح سؤالًا مشروعًا عن طبيعة هذا الصعود السريع، وعن حدود استقلالية قراراته في الملفات الاستثمارية الكبرى.
بمجرد استكمال هذه النقلة، بدأ فصل جديد من القصة، فقد جرى تكليف شركة تحمل الجنسية القطرية اسمها “ريفايند الصناعية بالقيام بأعمال الصيانة والتأهيل للفندق. على الورق، تبدو “ريفايند” شركة أجنبية محترمة؛ لكن العودة إلى تاريخ ملاكها تفتح بابًا واسعًا للشك.
تقول المعلومات التي حصلت عليها الموقف الليبي إن ملاك الشركة هم عائلة القواسمة، من أصل فلسطيني ويحملون الجنسية الأردنية، كانوا سابقًا شركاء لعبد الحميد الدبيبة في شركة مقاولات نفذت مشاريع داخل ليبيا قبل 2011.
تلك الشركة غادرت البلاد مع أحداث فبراير، تاركة وراءها:
• عقودًا غير مكتملة.
• اعتمادات وتحويلات مالية كبيرة سبق الحصول عليها.
• ملفات تهرب ضريبي لم تُغلق حتى اليوم.
بعد سنوات من الغياب، تعود العائلة نفسها إلى ليبيا باسم جديد، وبشركة مختلفة شكلًا، ولكن مع نفس الشريك المحوري: الدبيبة.
الأخطر من ذلك أن الوثائق المتاحة تشير إلى أن نجل رئيس الوزراء، عبد الرحمن الدبيبة – الذي توفي عام 2024 – مُدرج كمالك لـ 50 % من أسهم شركة ريفايند القطرية.
بهذا، يتحول الفندق من مشروع تتشارك فيه الدولة مع شركة أجنبية عملاقة، إلى مشروع صيانة وإعادة تشغيل تتحكم في عقوده شركة يملك نصفها نجل رئيس الحكومة نفسه.
عقود تتضخم.. وأرقام تقفزع
لم يتوقف الأمر عند مجرد تكليف “ريفايند” بالصيانة، بل إن قيمة العقود الممنوحة لهذه الشركة – حسب التقديرات التي وضعتها مجموعة “داوو” سابقًا – أُعيد تسعيرها لتصل إلى أربعة أضعاف الرقم الذي قُدّر قبل خروج الكوريين.
أي أن ما كان يُمكن إصلاحه مثلًا بمئة مليون، أصبح يُطرح بقرابة أربعمئة مليون، في وقت تعاني فيه الخزينة العامة من عجز، وقطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم تتهاوى على رؤوس المواطنين.
إلى جانب عقد صيانة الفندق، حصلت الشركة نفسها على عقود ضخمة في قطاعات أخرى، من بينها:
• مشاريع في قطاع النفط.
• مشاريع في قطاع الكهرباء.
• عقد إنشاء كوبري حي الأكواخ بقيمة تفوق 100 مليون دينار ليبي.
بهذه الطريقة يصبح السؤال أكبر من مجرد “من يشغِّل الفندق؟” ليتحوَّل إلى من يستثمر موقعه في السلطة لتحويل المشاريع السيادية إلى ماكينة أرباح شخصية له ولشركائه؟
المشغل الجديد.. شبح بلا ملامح
كل هذه التحضيرات قادت في النهاية إلى حفل الافتتاح الذي أقامه عبد الحميد الدبيبة للفندق في 28 نوفمبر 2025.
لكن ما ظهر للجمهور والضيوف في ذلك اليوم طرح أسئلة أكثر مما قدَّم إجابات:
• جرى تغيير اسم المشروع.
• جرى استبعاد اسم “جي دبليو ماريوت”.
• ظهر اسم مشغل جديد مجهول، لا يحمل أي ثقل عالمي، ولا يرقى حتى لمستوى سلاسل تعمل بالفعل في ليبيا مثل “ريكسوس” و”راديسون بلو”.
لم يظهر على المنصة أي مدير تنفيذي أو ممثل رسمي حقيقي للشركة المشغلة!
هذا الغموض في هوية المشغل الجديد يثير شبهة قوية بأن الأمر لا يتعلق بمؤسسة فندقية مستقلة، بقدر ما يتعلق بـواجهة إضافية لشبكة مصالح مرتبطة بالعائلة نفسها التي جرى ربط اسمها خلال السنوات الماضية بشراء “محفل جنيف” عبر الرشاوى، وبالاستحواذ على عقود ومشاريع سيادية في أكثر من قطاع.
تغييب تام للشريك الكوري
في المقابل، كان الغائب الأكبر عن الحفل هو شركة داوو الكورية، التي يُفترض أنها صاحبة الحصة الأكبر في المشروع.
لم يحضر ممثلون، لم تُذكر الشركة في الكلمات الرسمية، لم تُنشر أي بيانات توضح ما إذا كانت قد انسحبت، أو جرى شراء حصتها، أو صودرت بطريقة ما.
هذا الصمت يفتح الباب أمام احتمالين لا ثالث لهما:
إما أن الشركة تعرضت لضغوط أو ابتزاز لحملها على بيع حصتها لصالح أطراف مقربة من السلطة الحالية، أو أنها متمسكة قانونيًّا بحقوقها، لكن يجري تجاوزها عمليًّا على الأرض، في سابقة خطيرة تمسُّ سمعة ليبيا في مجال احترام عقود الاستثمار الأجنبي.
في الحالتين، النتيجة واحدة:
الليبيون هم الخاسر الأكبر من تعطيل مشروع سيادي خمسة عشر عامًا، ثم إعادة تشغيله في ظروف ملتبسة، وبهوية ملكية وتشغيلية غير شفافة.
ما بين السيناريوهين.. أين الحقيقة؟
في السيناريو الأول، يبدو ما حدث نتيجة طبيعية لدولة تآكلت فيها المؤسسات تحت وطأة السلاح والفساد والشللية؛ مشروع ضخم يقع ضحية للفوضى الأمنية وسوء الإدارة وتضارب الاختصاصات.
في السيناريو الثاني، يتحول نفس المشروع إلى غنيمة ثمينة تُدار بعقلية “العائلة الحاكمة”:
• تُنقل أسهمه بين الشركات القابضة والصندوق كما تُنقل قطع الشطرنج.
• يُغيَّب الشريك الأجنبي.
• يُستبدل المشغل العالمي بآخر غامض.
• تُمنح عقود الصيانة والتأهيل لشركة يملك نصفها نجل رئيس الحكومة.
• تُضخّم الأسعار إلى أضعاف قيمتها.
• وتُربط السلسلة كلها بشبكة أوسع من الشركات الواجهة التي تتحرّك بين الدوحة وعمان وطرابلس وجنيف.
ربما تجمع الحقيقة بين السيناريوهين معًا:
فشل دولة يُستخدم كغطاء لمخطط استحواذ منظم، وغياب قانون يسمح بتحويل موارد عامة إلى مشاريع عائلية بهدوء، دون خشية حقيقية من المساءلة.
تأخذنا خاتمة هذا التحقيق الاستقصائي الخطير إلى ما كشف عنه من مخالفات إدارية وجرائم اقتصاديه يتطلب أن تسارع الأجهزة الرقابية (الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة) والنيابة العامة، وكذلك مصلحة الضرائب إلى التحقيق في هذه المخالفات والجرائم ومنها:
– قضايا التهرب الضريبي التي قامت بها شركة (رامكو ليبيا) المملوكة لعائلة القواسمة وشركائها الليبيين والتي جرت تصفيتها حتى لا تتم ملاحقتها قضائيًّا داخل ليبيا.
– المبالغ التي حولت لصالح شركة (رامكو) ومطابقة هذه الأموال مع نسبة الإنجاز في هذه المشاريع ومطالبة ملاك الشركة الأردنيين والليبيين بإرجاع ما جرى تحويله بالتجاوز والمخالفة لنصوص العقود التي كان يشرف عليها علي الدبيبة.
– خلفيات نقل أسهم شركة داوو لصالح آخرين ومعرفة بياناتهم ومعرفة المبلغ الذي دُفع مقابل بيع الأسهم ونقلها، وهل عُرضت أسهم داوو على صندوق الإنماء الذي يملك حصة الشفعة وفقًا للقانون التجاري الليبي، أم جرى تجاوز الشركة؟ ولماذا؟
– الجهة التي أرسلت عقد صيانة الفندق على شركة ريفايند بالأمر المباشر ومراجعة كراسة الشروط ومطابقتها مع لائحة العقود الإدارية.
– المشاريع التي تنفذها شركة ريفايند حاليًا، ومن أهمها مشروع جسر حي الأكواخ والكشف عن الإمكانيات الفنية والمالية للشركة لمعرفة مدى قدرتها على تنفيذ هذه المشاريع وعن مدى التزامها بالمواصفات الفنية للمشاريع، وكذلك مقارنة قيمة هذه العقود ومدى تطابقها مع لائحة العقود الإدارية.
