الوضع الصحي واللحاق بالعالم

بقلم د.علي المبروك أبوقرين
بينما يعيش العالم أكبر ثورة طبية منذ اكتشاف المضادات الحيوية ، ثورة تُعيد تعريف جوهر الطب وطرق تقديمه ، يتجه العالم بقوة نحو الطب الخوارزمي الذي يحول المعرفة الطبية إلى نماذج قابلة للتنبؤ ، وطب القيمة الذي يقيس كل تدخل بميزان النتائج المؤكدة مسبقا ، والخدمات الاستباقية التي تجعل العلاج يبدأ قبل المرض ، وتحول الوقاية من مفهوم سلبي إلى فعل علاجي موجه ، نجد أنفسنا في نظم صحية لا تزال عالقة عند آخر صفحات القرن العشرين ، بل ربما قبل ذلك بسنوات طويلة ، والعالم يُعيد بناء منظومته الصحية على أساس الخوارزميات والبيانات الضخمة ، والتتبع الآني لحالة المريض والسجلات الذكية والمختبرات الرقمية والجينوميات ، والطب الدقيق ، وقياس القيمة الحقيقية لكل قرار سريري . بينما نحن ندور في دائرة مغلقة ، حيث لا توجد آليات علمية ولا مهنية لتنظيم التخصصات الطبية والصحية ، ولا توجد قواعد واضحة تُعرف من هو المتخصص ، وما معاييره ، وما حدوده ، وما الحقوق المهنية لكل فئة ، ولا يوجد نظام للامتياز والتمييز بين الأطباء ، ولا حجر أساس يُحدد عدد الأطباء في كل تخصص ، ولا قاعدة بيانات توثق درجاتهم العلمية وخبراتهم ونتائج عملهم ، ولا مؤشرات أدائهم ، ولا أخطائهم ولا نجاحاتهم . نعيش في مساحة ضبابية كبيرة يتساوى فيها الطبيب المتميز مع الطبيب العابر ، ويُترك المريض ليكتشف الحقيقة وحده بعد أن يقع الضرر ، والتمريض وهو العمود الفقري لأي نظام صحي في العالم يعاني من فجوة أكثر عمق فمعظم التمريض لدينا قادم من مراحل تعليمية متوسطة ، ومن معاهد تفتقد للمناهج العلمية الحديثة ، ولشبكات المحاكاة السريرية ولبيئات التدريب الواقعية ، ولأعضاء هيئة تدريس متخصصين قادرين على صناعة ممرض محترف ، والتمريض العالمي اليوم يتقدم نحو مستويات أكاديمية عالية ( بكالوريوس ودراسات عليا وتمريض تخصصي وتمريض متقدم وممارس سريري مستقل ) ، بينما نحن ما زلنا في مرحلة ما قبل التأسيس ، وينسحب الأمر ذاته على الفنيين الصحيين ، حيث لا توجد مسارات تعليمية واضحة ، ولا معايير جودة ، ولا ضمانات للمهارات ، والعديد منهم يُزج بهم في المستشفيات دون تدريب كافي أو تأهيل حقيقي ، وأما الإدارة الصحية وهي عقل النظام فقد غابت عنها المتطلبات الأساسية ، فلا علاقة بين من يعمل في الإدارة وبين علوم الإدارة الصحية ، ولا بين من يتخذ القرار وبين الأدلة الإدارية ، ولا بين الهياكل المؤسسية وبين أي نموذج عالمي للحوكمة ، ثم يأتي السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ، السؤال الذي يختصر كل هذا الانهيار في جملة واحدة هل كل طبيب يعمل في تخصصه يحمل فعلاً كل مقومات هذا التخصص؟ وهل امتلك المهارات والمعرفة والخبرة والتدريب والتعرض السريري والممارسة الكافية؟ وهل خضع للمحاسبة المهنية؟ وقيس أداؤه وأثبت كفاءته؟ هل عرفت نتائج عمله ، ونسبة نجاحه ومعدل أخطائه ، وقدرته على اتخاذ القرار ، وأثره الفعلي على صحة المرضى؟
أم يتم الاكتفاء بالعنوان المكتوب على الباب أخصائي أو استشاري أو طبيب أول دون التعرف ماذا تعني كل رتبة ، وما هي شروطها وكيف يتم الوصول إليها؟ فالمشكلة ليست في الأفراد ، بل في غياب النظام الذي يحدد بدقة من يحق له ممارسة ماذا ، النظام الذي يصنع السلم المهني لكل تخصص ، والنظام الذي يقيس ويقيم ويمنح ويمنع ويضمن ويحاسب ويُميز ، بحيث لا تختلط الأرواح بالأخطاء ، ولا تختلط الخبرة بالصدفة ، ولا تختلط الثقة بالمجازفة ، إن العالم اليوم لا يترك شيئًا للصدفة ، والعالم يبني طب يقوم على النتائج المؤكدة ، وعلى الخوارزميات الدقيقة ، وعلى القيمة الحقيقية والمعرفة القابلة للقياس ، والأداء الموثق ، وعلى التطوير المستمر ، أما نحن فما زلنا نقف أمام سؤال بسيط أينما ذهبنا ، هل من يعالجنا اليوم ، في كل تخصص ، هو فعلا الشخص المؤهل الذي نعتقده؟ وهذا السؤال وحده يكشف حجم الفجوة ، وضرورة الإصلاح ، واستحالة الاستمرار في صمت طبي يُكلف الناس صحتهم وحياتهم ، ويقتل الثقة في النظام ، ويُبقي البلاد خارج الزمن الطبي الجديد ، لذلك الإصلاح الصحي واللحاق بالعالم ضرورة وجودية .
