التعليم الطبي الماضي والحاضر والمستقبلي

د.علي المبروك أبوقرين
كليات الطب في بلادنا خرج معظمها إلى النور على عجل ، بمواصفات السبعينات ، في زمن كانت فيه المعرفة أقل تشعبا ، والعلوم الطبية في طورها التقليدي المتعارف عليه وبعض من هذه الكليات بُنيت في حينه بمقاييس العصر، أما البقية فلم تكن إلا مباني إدارية محورة ، وهي بعيدة كل البعد عن البنية التحتية التي يحتاجها التعليم الطبي اليوم ، وإن أدت دورا ما في زمن مضى.
فإن الزمن نفسه تجاوزها ، وتركها واقفة في مكانها كأنها أطلال المعرفة ، فالتعليم الطبي لم يعد محاضرات وقاعات ومساقات محفوظة ، فتغير وجه الطب جذريا ، وصار تدريب معملي متقدم ، وتشريح حي ومحاكاة رقمية ، ومهارات ميدانية ، وتعليم تكنولوجي ، وذكاءً اصطناعي ، وبحث بيولوجي عميق ، وتفاعل محوسب يضع الطالب داخل قلب النظام الصحي لا على مقاعد المتفرجين ، وصارت البرامج تتطلب توسع كبير في علوم البيولوجي والفيروسات والطفيليات والكيمياء الحيوية والدواء والصيدلة السريرية والتغذية العلاجية وعلوم التواصل الإنساني ، والتشريح ووظائف الأعضاء ، والجودة وسلامة المرضى ، ومكافحة العدوى ، والصحة العامة وصحة المجتمع ، والإحصاء الطبي والبيانات الصحية ، والتعليم الرقمي والبحثي والمختبرات الذكية التي تبدأ من جذور تاريخ الطب وتصل إلى آفاق طب المستقبل.
كليات المستقبل ليست قاعات إسمنتية باردة ، بل منصات لبناء العلماء والباحثين والمفكرين والخبراء ، ومصانع لإعداد أطباء يمتلكون معرفة واسعة ، وثقافة راسخة ، ومهارات مهنية عالية ، وإنسانية لا تنطفئ ، وأخلاقيات المهنة النبيلة المقدسة ، كليات تزرع الثقة في نفوس طلابها قبل أن تضع السماعة في أيديهم ، وتربي فيهم القدرة على التواصل ، والقدرة على الإنصات ، والقدرة على حمل قضايا الناس بضمير حي ، ولا يكتمل بناء كلية طب حقيقية بلا قاعات تفاعلية ، ومختبرات متنوعة ، ومنشآت بحثية متقدمة ، وقاعات مؤتمرات علمية ، ومساحات للإبداع والنشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي، وهيكلية إدارية علمية حديثة تراعي الوظائف الأكاديمية والبحوث والتخطيط ، والسياسات والامتحانات وتقييم الأداء والتسلسل العلمي والجودة والتدريب السريري والدراسات العليا ، والمجلات العلمية ، والمسوحات الميدانية.
ويظل كل ذلك ناقص إن لم تُرفق هذه الكليات بمستشفيات جامعية وتعليمية حقيقية تقدم جميع الخدمات الصحية لكل فروع الطب والتخصصات ومجهزة بالتقنية والتكنولوجيا الطبية الحديثة التي تتسابق مع الزمن، وتتبع كليات الطب بشكل عضوي وقانوني ومالي وإداري ولا يخضع فيها التدريب لأي سلطة أخرى غير سلطة الجامعة والكلية ، فالتعليم الطبي دون مستشفيات جامعية ليس تعليم ، بل محاكاة فارغة.
ومن لا يملك مستشفى تعليمي لا يملك القدرة على تخريج طبيب ، والمستشفى الجامعي ليس مبنى بل منظومة أكاديمية بحثية سريرية ، تُصنع فيها المهارة والمعرفة ، وأعضاء هيئة التدريس يجب أن تتوافر فيهم الشروط الأكاديمية والمهنية والبحثية والتدريبية كاملة ، فمن لا يملك العلم والخبرة والممارسة لا يستطيع أن يعطي ، ولا يحق له أن يعلم ، والتعليم الطبي لا يقبل التجزئة وأنصاف الحلول أو التلفيق ، ولا يسمح بالازدواجية ، فلا جمع بين العام والخاص ، ولا بين كلية حكومية وأخرى موازية.
التعليم الطبي لا يحتمل الولاءات المزدوجة ، لأن مخرجاته أرواح بشر ، إن بناء كلية طب حقيقية ليس مشروع إنشاءات ، بل مشروع نهضة وطنية ، وتوجه جديد بأن ليبيا تستحق أطباءً بمستوى دولي يجاري تطور التعليم الطبي والعلم الحديث ، وبنية تعليمية متطورة ، ومستشفيات جامعية قوية ، وإدارة علمية قادرة على أن تعيد الطب في بلادنا إلى مكانه الطبيعي في مقدمة الصف ، لا في مؤخرة الركب.
وفي زمنٍ أصبح فيه العلم والمعرفة متاحين عالميا ، ومفتوحين لكل من أراد السعي إليهما ، لم يعد امتلاك تعليم طبي متقدم حكر على دولة دون أخرى ولا رفاهية تعيش عليها الدول الغنية وحدها ، وإن كان كذلك ليبيا أولى ، والمعارف متدفقة والمناهج منشورة ، والخبرات متاحة ، والشراكات الدولية مفتوحة ، وإن أرادت أي دولة أن تلحق بطب المستقبل فطريقها واضح ، فقط إرادة تبنى ، ونظام تعليمي يُعاد تشكيله ، واستثمار حقيقي في الإنسان.
ولذلك لا يتصور أن تُقام كليات طب بلا اعتماد دولي من أعلى المؤسسات العلمية في العالم ، ولا يُقبل أن يمارس التعليم الطبي أو التدريب السريري أو تُمنح التخصصات خارج سلطة الجامعات وكليات الطب المعتمدة ، فهي وحدها المؤسسات المؤهلة التي تملك القدرة على بناء الطبيب ، وصناعة المهن الصحية بعمق أكاديمي وسياق علمي صحيح ، ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينهض دون مستشفيات جامعية وتعليمية ترتبط عضويا وقانونيا وماليا بكليات الطب والجامعات ، وتملك قرارها وتحدد منهجها وتكون معاملها السريرية الطبيعية ، فبدونها لا تعليم ولا طب ولا مستقبل.
وبناء جسور التوأمة والتعاون الدولي مع الجامعات الأولى في العالم ليس حلم بعيد ولا رفاهية أكاديمية ، بل ضرورة إذا أردنا تعليم طبي يليق ببلاد تملك كل المقومات البشرية والاقتصادية والجغرافية لتكون مركز طبي متقدم . وليبيا رغم كل ما مرت به، قادرة إذا أرادت أن تؤسس تعليم طبي مختلف ، تعليم طبي حديث وراسخ ومتصل بالعالم ، ومحصن بهوية علمية صلبة ، فهذه البلاد تستحق أن يكون لها طب يليق بتاريخها ، وتعليم يليق بطموحها ، ومستقبل لا تحده العشوائية بل تحدده المعرفة، ويتجاوز العبث ..
