مقالات الرأي

هيئة الرئاسي والهلع السياسي

بقلم/ محمد جبريل العرفي

بعد أن ضاق الليبيون ذرعًا بتصرفات سلة جنيف، استبشروا بمبادرة ليبية خالصة، فبدأوا يتقاطرون نحوها بمشايخ قبائلهم وحكمائهم، ونخبهم وتنظيماتهم السياسية والنقابية، بحثًا عن حلٍّ وطنيٍّ خالص، بعيدًا عن التأثيرات السلبية للأجنبي، وبعيدًا عن دوامة التسويات العقيمة، حلٍّ يُنهي الفوضى، ويعيد بناء الدولة، ويمنع التشظي، هذا التقاطر سبب الهلع لجوقة جنيف، ولكون الذهنية الانعزالية لجماعة الإخوان تجعلهم دائمًا يجدفون عكس التيار، ويتجاهلون حركة التاريخ، ويراهنون على مشاريع فاشلة، اخترعوا كيانًا سموه (هيئة الرئاسة).

تلك الهيئة أكدت ثلاث حقائق: أُولَاها: أن من يحكم (عُشر) مساحة ليبيا هي عصابة تشكلت بجنيف من تحالف بين النهابين الجشعين، والمقاتلة المتخلية عن عقيدتها والمنشغلة بالمال، والإخوان الساعين لتمكين جماعتهم. تقاسم الأدوار الثلاثة؛ فالإخوان يغلفون المشروع بغطاء سياسي، والمقاتلة توفر الذراع الميليشياوي، و(الدبيباتشيلد) تتحكم بالأموال وشبكات الفساد.

وثانيها: شعور هذا التحالف بالخطر الوجودي فكانت هيئة الرئاسة كهلعٍ سياسي، لا مبادرة للحل، أو محاولة للإصلاح.

وثالثها: محاولتهم اليائسة لجذب رئيس مجلس النواب إلى مربعهم، تمهيدًا لإنتاج صورة شكلية لوحدة سياسية كاذبة، تُستغل لاحقًا لإصدار مراسيم رئاسية، شبيهة بما كان يسعى إليه ممثل المقاتلة في الرئاسي، حين حاول إعادة تشكيل المشهد بمراسيم فردية، لكن انفضح أمره ففشل مشروعه.

يأتي مشروع هيئة الرئاسة، في وقت يشهد انهيار الثقة الشعبية في كل الأجسام الناتجة عن جنيف، وتنامي دور تيار يطرح رؤى سياسية أكثر واقعية، وأكثر تعبيرًا عن المزاج الشعبي، وتزايد الأصوات المطالبة بحلٍّ جذري يقوده الليبيون أنفسهم، ومتحرر من هيمنة الخارج، وبعثة الحكم، التي لا تريد لليبيا أن تكون دولة موحدة قوية تقودها شخصية وطنية، تملك قرارها، وتدافع عن سيادة بلادها.

ولذلك، فإن “هيئة الرئاسة”، محاولة احتواء سياسي لإجهاض أي مسار بديل يمكن أن يؤدي إلى حل الأزمة الليبية.

هذه الهيئة جاءت بعلم ومباركة شيخهم وقدوتهم، الذي لم يتردد في تكفير كل من يجتمع من أجل مصلحة الليبيين، وكأنه يحمل مفاتيح الجنة، أو صكوك الغفران.

إن ما يجري في ليبيا صراع بين مشروع وطني يريده الليبيون بجل أطيافهم، وبين أجسام تجثم على صدور الليبيين منذ 15 سنة وتراهن على استمرار الفوضى، لأنها مصدر قوتها واستمرار بقائها.

ما لم يدرك الليبيون خطورة هذا التحالف الثلاثي، ويتعاملوا معه على أنه تهديد لوجودهم، فسيظل الوطن رهينة عصابة تعمل بعقلية الغنيمة، لا بروح الوطن، ولنا في بدايات استجابة الجموع بريق أمل.

زر الذهاب إلى الأعلى