مقالات الرأي

الشفاء الضائع في فوضى الصحة

د.علي المبروك أبوقرين

كان الطب يوما مهنة الأنقياء، يمتهنها من جعلوا من الرحمة طريق ومن الخدمة رسالة ،رجال دين وعلماء وقفوا أعمارهم للإنسان قبل الجسد ، فتطوعت قوافلهم لتجوب أقاصي الأرض لا تبحث عن مال ولا مجد بل عن حياة تُنقذ وروح تُعان ، وفي عصور مشرقة من تاريخ الإنسانية كان المريض يدخل المستشفى، فيعالج ويُكسى ويُطعم ، ويُعوض عن أيام مرضه حتى لا تتعثر معيشة أسرته أو يضطر للعمل وهو منهك الجسد .

وكان الوقف يخصص بسخاء للإنفاق على المستشفيات والأدوية، وتستورد للمرضى أفضل العلاجات ، وتدفع أعلى المرتبات للكوادر حفاظا على كرامة المهنة وعلى روحها الأخلاقية ، وعرفت ليبيا طريق الطب عقود طويلة من المساعدات الطبية الوافدة قبل الدولة والنفط ، ومن بعد مبان صحية شيدها الإيطاليون وقدمت خدمات صحية مجانية رغم بشاعة الاستعمار ، ثم نهضة صحية ليبية واسعة امتدت إلى كل المدن والقرى ، استُقدِم لها آلاف الأطباء والممرضين والفنيين ، ولم تدخل البلاد إبرة مغشوشة أو دواء مقلد أو جهاز رديء ، وكان التعامل مع أفضل شركات العالم ، والعلاج في الداخل مكفول للجميع بجودة عالية وبالمجان ، والعلاج في الخارج متاح في أرقى المستشفيات الجامعية العالمية لمن يحتاجه دون تردد أو إذلال .

واستمر ابتعاث الآلاف لدراسة الطب والصيدلة وطب الأسنان والتخصصات الدقيقة في أوروبا وأمريكا ومصر ، وكانت البلاد تعيش ثقة كاملة بأن الصحة حق وليست سلعة ، وأن الدولة رغم اعتمادها على مورد وحيد ، قادرة وملزمة بتقديم هذا الحق لمواطنيها دون مساومات ، وللأسف اليوم المشهد مربك وموجع ، وضجيج غريب يدعو إلى تسليع الصحة ، وإلقاء عبء المرض على المريض ، وإقناعه بأن عليه الدفع من جيبه كي يشعر بقيمة الخدمة ، وكأن الحق في العلاج يحتاج تربية بالقهر أو إذعان للربح.

وفي الوقت نفسه يغرق السوق بالأدوية المزورة والمغشوشة والمعدات الرديئة ، وتنتشر الكليات الطبية بلا ضوابط وبدون مستشفيات جامعية ، وتفتح المختبرات والمصحات والصيدليات كمحال تجارية تتنافس على المريض ليس لعلاجه بل لاستنزافه ، بينما معظم العاملين فيها على قوة القطاع العام ، وصار المرض تجارة مربحة ، والصحة سوق مفتوحة ، والرقابة غائبة ، وكرامة المهنة تُنهش كما تُنهش أجساد المرضى ومدخراتهم .

ومع كل ذلك لا تزال أصوات النشاز تدفع باتجاه التأمين الصحي والدفع المباشر لا لحماية المجتمع ، بل لتكريس اقتصاد مريض يتغذى على مرض الناس ويطيل عمر سوق لا يعيش إلا على الضعف والألم ، ولا يتعظ أحد من تجارب الدول التي احترمت شعوبها ، فبنت نظم صحية تقوم على الوقاية والرعاية الأولية ، ووفرت العلاج المجاني عالي الجودة ، وقدمت إجازات مدفوعة ودعم مالي للمرضى والحوامل والمواليد ومن يعولونهم ، ووفرت رعاية طبية واجتماعية منزلية متكاملة تحفظ كرامة الإنسان في أقسى لحظاته دون الحاجة للتأمين الصحي أو دفع أي تكاليف من الجيب .

أما ليبيا اليوم فقد وجدت نفسها في قاع مأساة صحية هي الأسوأ في تاريخها بنية صحية منهارة ، ورقابة غائبة ، وسوق صحي متوحش واقتصاد طفيلي مدمر ، ومرض ينهش الجسد كما ينهش لقمة الأسرة وطمأنينتها ومستقبل أطفالها ، وكأن البلاد تدفع ثمن ترك الطب يفقد قدسيته ويتحول من رسالة إنسانية راقية إلى صراع شرس على الربح والبقاء ، والزمن تغير ولم يعد الطب اليوم هو طب الأمس ، فالعالم يسير نحو طب رقمي وروبوتي وشخصي واستباقي وشمولي وتنبؤي ، طب يعتمد على الذكاء الاصطناعي ، والتقنيات الجينية ، والتشخيص الإلكتروني ، والرعاية المتصلة ، والتعليم الطبي التفاعلي والبحثي ، إنه طب يحتاج بنية تحتية متطورة ، ومعلوماتية صحية قوية ، ومستشفيات جامعية وتعليمية حقيقية لا شكلية ، ويحتاج كوادر مختلفة تماما عما نعرفه اليوم ، كوادر مدربة على أدوات المستقبل لا على ما تبقى من مراجع الأمس ، بينما بقي التأهيل المحلي متراجع عقود ، ومجمد خارج مسار الحداثة والمعاصرة ، بعد أن غاب عن التعليم الطبي التجديد والتقنية والبحث والممارسة السريرية المحكمة.
،
وغابت المستشفيات الجامعية التي تُنجب العلماء قبل الأطباء ، وانطفأ وهج المستشفيات التعليمية التي تخط ملامح المهنة ، ولهذا صار الطريق إلى الشفاء ملتويا كأنه يعبر صحراء بلا ظل ، وتحول الحق في الصحة إلى صفقة ، والمرض إلى فرصة ربح ، والسوق إلى وحش يقتات على المغلوبين والأوجاع.

والبلاد التي كانت رائدة في تجهيزاتها وخدماتها انزلقت إلى واقع صحي متشظ ، ومنهك وتائه عن زمنه ، بعيد عن طب الغد الذي لن ينتظر أحد ، وهذا الانحدار لا يوقفه إلا إصلاح جذري يقوم على حوكمة حقيقية ، وإنفاق شفاف ، وإدارة مهنية مقتدرة تمتلك العلم والقيادة والبصيرة ، إدارة تعرف أن العالم يقفز قفزات متسارعة في الطب ، وأن من لا يقفز معها سيٌترك وحيد في زمن لا يرحم المتأخرين.

ومع كل الخيبات يبقى الأمل معلق على إرادة وطن يريد أن يشفى، وليبيا التي عرفت الطب نورا تستطيع أن تستعيده إن أرادت ، ولكن النور لا يعود بالصدفة بل بإعادة بناء جذري لتعود للطب إنسانيته ، وللتعليم الطبي روحه ، وللمريض حقه ، والطب مهما تاه عن مساره ، لا يموت ينتظر فقط من يوقظ ضميره ، ومن يؤمن أن الصحة ليست خدمة تُباع ، ولا سلعة تُسوّق ، بل هي الحياة نفسها ، وحين يتذكر الوطن أن الإنسان أثمن من النفط ، وأن الشفاء قيمة لا تعرض في مزاد ، سيعود الطب كما بدأ: نورا يمشي في الناس .

زر الذهاب إلى الأعلى