الانبعاث من بين رماد المأساة- الجزء الثاني

بقلم/ محمد عبدالقادر
ربما يكون هذا هو المعنى الأعمق والأكثر خطورة في المشهد الليبي الحالي. فالرماد هنا ليس مجرد أثر لما اندثر أو احترق، بل يشير إلى تبدد الثقة بين المواطنين والدولة، وبين الفرقاء السياسيين بعضهم البعض، ما يؤدي إلى انهيار الإيمان بمؤسسات الدولة وقدرتها على تحقيق الأمل والأمن والعدالة والتنمية. كان الرماد شعورًا عامًا بالخيبة والإحباط يغطي على كل محاولات النهوض، ويشكل المرحلة الأكثر سوداوية التي يجب أن تنطلق منها أي عملية بناء حقيقية.
طائر الفينيق الليبي ينهض لا ليحيا كما كان، بل ليحيا مجددًا. الانبعاث الحقيقي هو ولادة دولة أكثر حصانة ضد الانقسام، وأقوى من الرماد الذي نشأت منه. عملية النهوض هذه تتم من بين الرماد، ومن عمق المأساة، ومن تحت ركام الحروب، وفي ثنايا غياب الثقة ونزف الجراح وآهات الثكالى وعذابات الشيوخ والأطفال، وفي اقتصاد أهدر بالكامل وسُرق ودُمرت مؤسساته، مع نهب كارثي منظم وعشوائي لم يشهد له البلد مثيلًا، وهو ما يجعل استعادة الدولة واسترجاع هيبتها مهمة معقدة تتطلب خطة واضحة وخارطة طريق محددة.
خارطة طريق الانبعاث
1. المصالحة أولًا: بناء جسر للثقة
لإتمام عملية مصالحة فعلية، يجب البدء ببناء جسر للثقة يتيح لجميع الأطراف خوض عملية جدية وصادقة. المصالحة تبدأ برأب الصدع وجمع الشتات وتقريب وجهات النظر، وجَسر الهوة التي تكونت من رحم المأساة ومن غبار الرماد الأسود الذي ربت فيه الأحقاد. لعبت أيد خارجية، عبر وكلاء محليين، دورًا في تعميق الانقسامات من خلال الفساد والمقايضة لتحقيق أهدافها.
الخطوة الاجتماعية أولًا: الانبعاث ليس سياسيًّا بالدرجة الأولى، بل اجتماعيًّا. لا يمكن لأي بناء مؤسسي أو انتخابات أن تنجح ما لم يتم إخماد نار الشقاق داخل المجتمع، الناتج عن الحرب الأهلية وأدوار القوى الأجنبية، التي أطلقت يد العملاء المحليين لإثارة الفوضى دون مشروع وطني واضح.
الرماد والآثار الاجتماعية: الرماد هنا هو تآكل النسيج الاجتماعي والجراح العميقة الناتجة عن سنوات الثأر والولاءات القبلية والجهوية المتصارعة، واستقدام الأجنبي والانتصار به على حساب الولاء الوطني، وتحويل الأرض والثروات والسيادة إلى ساحة صراع.
الانبعاث الاجتماعي: يبدأ الانبعاث بتأسيس عدالة انتقالية شفافة وشاملة. يتم ذلك من خلال إنشاء هيكل تنظيمي يتيح حوارات متصلة ومنظمة على كل المستويات، يسودها الاحترام والبعد عن التصنيفات والولاءات، مع التركيز على تحديد المظالم ومعالجتها، وضمان استقلالية الهيكل عن نفوذ النافذين. المصالحة يجب أن تكون ليبية ليبية بالكامل.
2. الانتخابات والهياكل الوطنية: من رماد الانقسام إلى شرعية موحدة
بعد توحّد المجتمع على قاعدة المصالحة، يصبح الانتقال السياسي السلمي ممكنًا وضروريًا.
الرماد السياسي يظهر في فقدان الشرعية وتعدد مراكز اتخاذ القرار، وتداخل القوى المسلحة والدول والمافيات المتصارعة.
الانبعاث السياسي يكمن في وضع إطار دستوري أو تشريعي واضح وموحد يضمن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في مواعيد محددة، لتشكيل هياكل سلطة وطنية شرعية، تمثل الليبيين جميعًا، وتضمن أن الفينيق الجديد يطير بجناحين متساويين.
3. بناء المؤسسات: تثبيت الهيكل وحماية الانبعاث
السلطة الوطنية المنتخبة حديثًا يجب أن تبدأ فورًا في بناء هيكلي عميق لضمان استمرارية الدولة.
الرماد المؤسسي يظهر في انهيار المؤسسات الأمنية والرقابية، وتسييس الجيش والشرطة، وغياب الفصل الحقيقي بين السلطات.
الانبعاث المؤسسي يتمثل في إعادة هيكلة جذرية لمؤسسات الدولة لتكون قادرة على أداء وظائفها بكفاءة وحياد، مع التركيز على:
تكوين جيش وطني موحد بعقيدة عسكرية لا سياسية.
تفعيل مؤسسات الرقابة والمحاسبة (ديوان المحاسبة ومكافحة الفساد) لضمان عدم تحويل الثروة مرة أخرى إلى وقود للصراع. المؤسسات القوية هي الدرع الذي يحمي الفينيق من السقوط مجددًا في رماد الصراع.
4. علاج التشوه الاقتصادي: تحويل الثروة من عبء إلى دافع
لا يمكن لعملية الانبعاث أن تستمر دون استدامة اقتصادية تعكس العدالة والكفاءة.
الرماد الاقتصادي هو الاعتماد شبه الكامل على النفط، ما خلق بيئة للفساد والتبعية، وتحول الثروة إلى نقمة.
الانبعاث الاقتصادي يتطلب إعادة هيكلة شاملة تراعي خصوصية ليبيا، وتنويع الاقتصاد عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية والسياحة والزراعة، وضمان توزيع عادل للثروة بين مختلف المناطق، لتحويل الاقتصاد من مصدر للصراع إلى أساس للرخاء، وإطلاق الفنيق بأجنحة قوية قادرة على التحليق.
إن كل هذه الخطوات ليست سهلة التنفيذ، وتحويلها من مقترحات إلى واقع يحتاج إلى إرادة سياسية وطنية قوية، تتجاوز نفوذ القوى المعوقة. فالانبعاث الليبي الحقيقي يبدأ من المجتمع كله، ومن الرغبة الجماعية في استعادة دولة عادلة، قوية، قادرة على حماية مواطنيها، ومجتمعة على قاعدة الثقة والعدالة والتنمية المستدامة.
