الإخوان في الميزان.. هل انتهت المهمة؟

بقلم/ مصطفى الزائدي
قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبار فروع من حركة الإخوان المسلمين منظمات إرهابية، منها مركز القيادة التنظيمي المصري، نقطة تحول مهمة ورسالة تُقرأ بوجوه عدّة، أهمها أن المهمة التي كانت مُسندة للجماعة انتهت، وأنها أصبحت تُشكّل خطرًا على مصالح صانعيها ومشغّليها.
فمنذ أن تأسست حركة الإخوان المسلمين عام 1928 على يد حسن البنّا، والجدل متواصل حول ماهيتها، والهدف من تشكيلها، ودور المستعمرين الإنجليز في تأسيسها. ويجمع أغلب المحللين أن الغاية من تأسيسها ضرب حالة النهوض القومي العربي التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، وساهمت في إسقاط الدولة التركية المستعمرة للوطن العربي، ولن يصعب على الباحث أن يجد الأدلة المناسبة لتأكيد ذلك وإثباته.
لكن الإخوان يقولون عن أنفسهم إنهم حركة تنوير إسلامية، هدفها الأساسي إعادة الزخم الإسلامي وبناء دولة الخلافة على أسس متينة تستند إلى التطورات المعاصرة في المعرفة والثقافة والعلوم، ويقولون إنهم سيحققون ذلك من خلال الشعار الذي رفعوه، وهو أسلمة المجتمع كقاعدة لبناء الدولة الإسلامية من خلال برامج توعوية وتربوية لإعداد الأجيال الجديدة على مبادئ الإسلام الحقيقية.
علينا أن نعترف أن الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية الناتجة منهم، والحركات الإسلامية الأخرى خاصة الحركات السلفية، نجحوا في تقديم نموذج شكلي للإسلام، وساهموا في أسلمة المجتمع من الناحية الشكلية؛ فصارت العبادات، وخاصة الصلاة والصوم والحج، تُمارس بزخم أكبر، وامتلأت المساجد، وارتدت أغلب النساء المسلمات الحجاب طوعًا أو كرهًا، وتغيرت صورة المجتمع الشكلية عما كانت عليه في بدايات القرن الماضي والقرون التي قبله، وبالطبع كان لانتشار التعليم وتطور الإعلام الدور الأكبر والأهم في تحقيق ذلك.
لكنها فشلت فشلًا ذريعًا في زرع قيم أخلاق الإسلام في النفوس لتنعكس في تصرفات المجتمعات الإسلامية ولا حتى بين أعضائها وأنصارها، ناهيك عن بقية أفراد المجتمع. وعلى العكس، تدهورت سلوكيات المسلمين بشكل عام، وفسدت الأخلاق، خاصة في التعاملات بين الأفراد والأسر، بشكل كبير، إلى الدرجة التي يرى فيها الكثيرون أن أخلاق المسلمين اليوم هي أكثر سوءًا من أخلاق أصحاب الديانات الأخرى، وخاصة فيما يتعلق بالصدق والتسامح والإخلاص في العمل.
بعيدًا عن ذلك، فإن حركة الإخوان سياسيًّا ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالدوائر الاستخباراتية الغربية، وخاصة المخابرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية، وتم تسخيرها بشكل مباشر لعرقلة مشروعات النهضة العربية ومنع إقامة دولة عربية واحدة، وفي طرح أفكار العدالة الاجتماعية، وعملت على إسقاط الأنظمة السياسية الوطنية التي ترفض سياسات الهيمنة الغربية.
تطور الصراع في المنطقة، وتبدّل مراكز القوى والنفوذ، وحالة الغطرسة الصهيونية المستندة إلى الدعم الغربي، وحالة البؤس العربية، دفعت بعض الإخوان المسلمين إلى تبني مواقف مختلفة عن السياسة التقليدية للتنظيم.
ويمكن تقسيم الإخوان الآن إلى فئتين:
الفئة الأولى: الإخوان التقليديون الذين يقولون ما لا يفعلون وما لا يقصدون؛ فهم يتحدثون عن الحرية والعدالة وبناء الدولة الإسلامية ورفض موالاة الكفار والمشركين علنًا، لكنهم يقومون بذلك سرًّا، بل تحالفوا معهم لإسقاط الأنظمة التقدمية، ولم يوجهوا سلاحهم إطلاقًا ضد العدو المركزي للأمة وهو الكيان الصهيوني.
الفئة الثانية: ونموذجها حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين التي انخرطت فعليًّا في مقاومة الكيان الصهيوني وبالتالي مواجهة المشروع الغربي في المنطقة.
وهنا يُطرح السؤال: هل يستطيع الإخوان المسلمون الاستفادة من الوضع المستجد، وإعادة صياغة حضورهم السياسي والفكري، أم أن المشروع برمّته دخل مرحلة الانحسار التي قد تنتهي إلى التفكك الكامل؟
التحدّي أمام الإخوان اليوم داخلي من جانب؛ فالجيل القديم من القيادات التقليدية ما زال متمسكًا بالخطاب الكلاسيكي الذي ثبت فشله، سواء في المجال السياسي أم التربوي، بينما يواجه الجيل الجديد حالة صدمة وارتباك بعد سقوط معظم الرهانات التي بُني عليها المشروع.
والتحدي الخارجي؛ فالقرار الأمريكي والغربي عمومًا باعتبار أجزاء من الحركة «تنظيمات إرهابية» لم يأتِ من فراغ، بل يعكس تحولًا في نظرة العواصم الكبرى إلى دور الإخوان بعد أن استُهلكت وظيفتهم السياسية، ولم يعودوا قادرين على تقديم ما كانت القوى الغربية تنتظره منهم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وفي خضم مشاريع «الشرق الأوسط الجديد». وذلك يعني أن الحركة ستفقد أهم أوراق قوتها وهي: الشرعية الدولية، والغطاء السياسي والأمني الغربي، والتمويل.
يمكن القول إن محنة الإخوان الحالية ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي لحظة كاشفة لمأزق تاريخي عميق لازم المشروع منذ التأسيس، يتمثل في الغموض بين الدعوي والسياسي، والتناقض بين الخطاب العلني والممارسة الفعلية، والارتهان للخارج مع ادعاء مواجهة «الكفار والمشركين»، وتقديم نموذج شكلي للإسلام دون نجاح في بناء منظومة أخلاقية أو حضارية داخل المجتمع.
