مقالات الرأي

عبث سياسي جديد

بقلم/ محمد بوخروبة

في زمن باتت فيه السياسة الليبية مسرحًا مفتوحًا لكل أشكال العبث والتجريب، يظهر كيان جديد يدعى الهيئة العليا للرئاسات، في محاولة مكشوفة لإعادة تشكيل موازين القوة خارج أي إطار دستوري أو مؤسساتي متوافق عليه. هذا الجسم الذي هبط على المشهد السياسي بلا مقدمات ولا شرعية، ليس نتاج حوار وطني، ولا ثمرة توافق سياسي، بل هو صنيعة غرف مغلقة تبحث عن إعادة تدوير النفوذ وإعادة ترتيب الكراسي في بلد أنهكته الصراعات.

إن خطورة هذا الكيان لا تكمن في مهامه المعلنة بقدر ما تتجلى في توقيته، ودوافع إنشائه، والجهات التي تسعى إلى تسويقه كأمر واقع. فليبيا اليوم تقف عند مفترق حاسم: دولة ما زالت بلا دستور، ومشهد سياسي ممزق، وصراع مستمر على الشرعية. وفي ظل هذه الفوضى، تطرح الهيئة العليا للرئاسات كمظلة فوقية تحاول أن تحل محل المؤسسات القائمة، أو على الأقل أن تساوي نفسها بها، في سابقة تهدد ما تبقى من هيكلة الدولة.

ورغم كل الانتقادات التي يواجهها مجلس النواب، وما يحمله الليبيون له من مسؤولية التعطيل والانقسام وإطالة عمر المرحلة الانتقالية، يظل من حيث الشكل القانوني الجسم التشريعي المعترف به وفق الأطر الدستورية القائمة، قد تكون شرعيته السياسية مهترئة، وقد فقد ثقة شريحة واسعة من الشعب، لكنه على الأقل موجود ضمن الخارطة المؤسساتية للدولة. أما الهيئة المطروحة اليوم، فهي بلا أساس قانوني، ولا اعتراف دستوري، ولا مسار تشكل واضح، ما يجعل وجودها أشبه بمحاولة خلق دولة موازية داخل الدولة.

إن ما يحدث يشبه إلى حد كبير عملية قيصرية لإنتاج جسم يراد له أن يتحكم في مفاصل القرار، دون أن يعرض على الشعب أو يستفتى حوله، ودون أن يمر عبر أي مسار تشريعي طبيعي. إننا أمام محاولة تسلل سياسي تهدف إلى فرض سلطة فوق السلطات، وتوجيه المشهد بما يخدم مصالح فئة محددة، لا بما يعبر عن الإرادة الوطنية الجامعة. فلو كان الهدف المعلن هو إصلاح المسار السياسي، فلماذا لا يتم ذلك من خلال المؤسسات القائمة؟ ولماذا يُخلق جسم جديد ليستنسخ الفوضى نفسها التي يعاني منها الليبيون منذ سنوات؟

إن الهيئات التي تولد خارج الشرعية لا يمكن إلا أن تكون أداة لإعادة إنتاج الأزمة. ليبيا ليست بحاجة إلى مزيد من المجالس واللجان والكيانات الثقيلة التي تزيد المشهد تعقيدًا، الليبيون بحاجة إلى دولة: دولة بقوانين نافذة، ومؤسسات منتخبة، وسلطات واضحة، ودستور ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بحاجة إلى إنهاء الفوضى لا صناعة فوضى محسوبة تخدم مصالح ضيقة.

إن الأزمة في ليبيا لم تعد أزمة صراع سياسي فحسب، بل تحولت إلى أزمة انعدام ثقة بين الشعب ومن يتصدرون المشهد. كل كيان جديد يُطرح اليوم يقابَل بالريبة والرفض، ليس لأن الليبيين ضد التجديد، بل لأنهم سئموا الوعود الكاذبة، واعتادوا رؤية الهيئات تستخدم كغطاء لإعادة توزيع السلطة والثروة. كل جسم يُخلق دون شفافية يُنظر إليه كجزء من منظومة الفساد السياسي التي أثقلت كاهل البلاد.

وليس خافيًا أن ليبيا تعيش اليوم أسوأ سنوات الانقسام: حكومتان بلا اعتراف متبادل، مؤسسات منقسمة، ثروة تُدار بلا رقابة، وبلد يقف على حافة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وفي خضم هذه الأزمات العاصفة، يأتي من يقترح إنشاء جسم جديد بدل أن تُوحد المؤسسات القائمة، وكأن الوطن لا يكفيه ما لديه من أجسام متضخمة أصلًا.

إن ما يحتاجه الليبيون ليس المزيد من الهياكل السياسية، بل المزيد من الصراحة، صراحة تسمي الأشياء بأسمائها، وتفضح الفساد حيثما كان، وتضع النقاط على الحروف حول من يعطل الحلول، ومن يعيد إنتاج الأزمة، ومن يستثمر في هذا المشهد الرمادي الذي أصبح أرضًا خصبة لكل من يريد نصيبًا من السلطة.

ولعل أخطر ما في المشهد أن الشعب الليبي أصبح يُباع له الوهم باسم الإنقاذ الوطني، بينما الحقيقة أن هذه الكيانات تصنع لتأمين مصالح فئات ضيقة وخدمة تحالفات قائمة في الظل. لقد أثبتت السنوات الماضية أن كل حل لا ينطلق من الإرادة الشعبية، ولا يمر عبر مسار دستوري واضح، ولا يؤدي إلى انتخابات حقيقية، مصيره الفشل. فالمشهد لا يحتاج إلى مزيد من اللاعبين، بل إلى حكم الملعب نفسه.

إن ليبيا لن تتجاوز محنتها بتعدد الأجسام، بل بتفكيكها. لن تستقيم أوضاعها بإضافة سلطة فوقية أخرى، بل بإعادة الشرعية إلى مصدرها الطبيعي: الشعب. ولن تجد طريقها إلى الاستقرار إلا عندما يسود القانون، وتحتكم البلاد إلى دستور، وتُجرى انتخابات تمنح الليبيين أخيرًا حقهم في اختيار من يحكمهم.

إن الوطن أكبر من أن يُختزل في هيئة تولد في الظلام، وأقوى من أن يُقاد خارج المؤسسات. ليبيا تستحق دولة لا تُدار بالمناورات، ولا تُحكم عبر الأجسام الهشة، بل تُبنى بإرادة الليبيين جميعًا، لا بإرادة من يحاولون إعادة تشكيلها من خلف الستار

زر الذهاب إلى الأعلى