المسؤولية المجتمعية بين الواقع الليبي ومتطلبات الدولة الحديثة

بقلم/ حامد أحمد الحضيري
في ليبيا اليوم تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل يجعل المسؤولية المجتمعية أكثر من مجرد مفهوم نظري، فهي مطالبة بأن تكون رافعة حقيقية تعيد بناء جسور الثقة التي أنهكتها سنوات الانقسام والفوضى، وتمنح المواطن إحساسًا بأن المؤسسات العامة والخاصة ليست كيانات منفصلة عن معاناته، بل جزءًا من نسيج يومه وهمه وأمل حياته.
ومع تعدد الحكومات وتضارب الصلاحيات وضعف المؤسسات التنفيذية يبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن للمسؤولية المجتمعية أن تتحرك في بيئة سياسية معقدة كهذه؟ الجواب يبدأ من فهم عميق لهذه المسؤولية بوصفها التزامًا أخلاقيًا ووطنيًا، لا تقيده التجاذبات ولا تحكمه الولاءات اللحظية. فحين تدعم شركات محلية في سبها أو بنغازي أو طرابلس برامج تعليمية أو صحية دون انتظار مقابل، فهي لا تقوم بعمل خيري، بل تؤدي دورًا وطنيًا يسد ثغرة تركها ضعف الدولة وتراكم الأزمات.
ومن الأمثلة الواضحة ما تقوم به بعض البلديات التي اضطرت إلى إبرام شراكات غير رسمية مع القطاع الخاص لتأمين خدمات أساسية مثل صيانة المدارس أو دعم المستشفيات المحلية. ففي سبها على سبيل المثال تدخلت شركات محلية لسد نقص الأدوية والمستلزمات في أحد المراكز الصحية، وفي بنغازي ساهمت مؤسسات اقتصادية في إعادة تأهيل بعض المرافق التعليمية في ظل عجز الميزانيات، وفي طرابلس رأينا مبادرات أهلية وشركات صغيرة تتكفل بنظافة الأحياء والأسواق بعد تراجع الخدمات البلدية. هذه النماذج تكشف أن المسؤولية المجتمعية ليست ترفًا، بل ضرورة تفرضها هشاشة المشهد السياسي وتراجع مؤسسات الدولة.
غير أن هذه المبادرات، على أهميتها، تظل مشتتة وعاجزة عن إحداث أثر واسع بسبب غياب إطار قانوني ليبي واضح ينظمها ويحفزها ويخضعها لرقابة شفافة، ولهذا يصبح من الضروري جمع الآراء والمقترحات لصياغة نصوص قانونية تستجيب للواقع الليبي بكل تعقيداته. قانون لا يكتفي بالصياغة الإنشائية، بل يضع آليات تنفيذية تحدد مسؤوليات المؤسسات وتمنح المواطنين حق الاطلاع والمتابعة، وتمنح الشركات حوافز تدفعها إلى الاستثمار في المجتمع لا فقط في الأسواق.
والتجارب الدولية قد تمنحنا الرؤية، لكنها لا تصلح للنسخ في بلد يعاني انقسامًا سياسيًا وصراعًا على الشرعية مثل ليبيا. فالاستفادة الحقيقية تكمن في المقارنة الواعية وفي تحويل الدروس إلى حلول قابلة للتطبيق على الأرض. فالمسؤولية المجتمعية في الدول المستقرة تنفذها مؤسسات قوية، وفي ليبيا يجب أن تقوم بدور يعوض غياب الاستقرار ويعزز من قدرة المجتمع على المقاومة والصمود.
أما بيت القصيد فهو الحاجة إلى إطار تشريعي متكامل يعيد للمجتمع المدني مكانته كشريك سياسي في التنمية لا مجرد متلقٍ أو مراقب. ففي ليبيا تغيب مؤسسات الرقابة الشعبية وتتداخل الصلاحيات وتغيب الشفافية، ولهذا فإن تمكين منظمات المجتمع المدني من العمل بحرية ومسؤولية سيسهم في خلق توازن جديد يحد من الفساد ويكشف مكامن الخلل ويمنح المواطنين صوتًا مؤثرًا داخل العملية السياسية وليس على هامشها.
إن بناء مجتمع ليبي قادر على النهوض لا يمر عبر المبادرات العابرة ولا عبر البيانات السياسية التي تتغير بتغير الظروف، بل عبر رؤية طويلة المدى تؤمن بأن التنمية مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. ولأن الوطن أكبر من الاصطفافات، فإن المسؤولية المجتمعية يجب أن تتحول إلى ثقافة سياسية واجتماعية متجذرة تبدأ من الوعي وتكتمل حين تتحول إلى قانون وتستمر حين تتحول إلى ممارسة يومية في كل مؤسسة وكل حي وكل مدينة.
