من يمّول الحِوار الليبي؟ سؤال السيادة المُعلق بين السياسة والاقتصاد!

بقلم/ عثمان الدعيكي
تعودنا في مقالاتنا السابقة تناول ملفات اقتصادية خالصة، لكن موضوع اليوم يفرض علينا الجمع بين الاقتصاد والسياسة، لأنّه يمسّ جوهر سيادة الدولة الليبية ومستقبل استقرارها. فالسؤال الذي يتردد بقوة هو: هل تحتاج ليبيا فعلًا إلى أن تموّل أي دولة خارجية مسار الحوار السياسي بين أبنائها، أم أنّ هذا التمويل بات مدخلًا لاختراق السيادة وفرض أجندات تُصنع خارج حدود البلاد؟
عند النظر إلى التاريخ السياسي والمالي لليبيا، يتضح أنّ البلاد لم تكن يومًا في خانة الدول “المحتاجة”، بل كانت منذ ستينيات القرن الماضي دولة مانحة وداعمة على مستويات عربية وإسلامية وأفريقية. فقد كانت أكبر المساهمين في تمويل ميزانية الجامعة العربية، ومن أبرز الداعمين لمنظمة التعاون الإسلامي، والممول الأول للاتحاد الأفريقي لسنوات طويلة. كما لم تتوقف ليبيا عن تقديم المساعدات التنموية والإنسانية لعدد كبير من الدول الفقيرة، إضافة إلى لعبها دورًا محوريًا في دعم الاستقرار الإقليمي في محيطها الجغرافي. هذه الحقائق ليست مجرد سرد تاريخي، بل تعكس قدرة اقتصادية ثابتة ووزنًا سياسيًا كان واضحًا رغم كل التحديات.
ورغم ما تعرّض له قطاع النفط من تعثر وإغلاقات وتذبذب في الإنتاج خلال السنوات الماضية، لا تزال ليبيا تملك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا، ويصل إنتاجها –في ظروف مستقرة– إلى ما يقارب 1.2 مليون برميل يوميًا. ومع متوسط أسعار عالمية تفوق 80 دولارًا، فإن الإيرادات السنوية النظرية تتجاوز 30 مليار دولار. هذه المؤشرات تبرهن أن ليبيا قادرة تمامًا على تمويل أي عملية سياسية أو إصلاحية أو خدمية من مواردها الذاتية، دون حاجة إلى “تبرعات سياسية” من أي دولة أجنبية. فتكاليف الحوارات السياسية واللقاءات واللوجستيات، مهما بلغت، تبقى ضئيلة أمام ميزانية دولة وصلت قبل سنوات قليلة إلى أكثر من 70 مليار دولار، ولا تزال اليوم رغم الصعوبات تتراوح بين 40 و50 مليارًا.
ومع ذلك، يتكرر المشهد بصورة توحي بأن بعض الدول تتسابق لطرح نفسها كراعٍ أو ممول للمسار السياسي الليبي. وإذا كانت الأمم المتحدة قد أعلنت مؤخرًا عن توقيع اتفاق مع دولة قطر لتمويل الحوار السياسي، برعاية بعثتها الأممية في ليبيا، فإن هذا الإعلان يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات. فقد تكون النوايا المعلنة دعمًا للاستقرار، لكن التجارب تشير إلى أنّ التمويل السياسي الخارجي لا يأتي عادة بلا مقابل، وأنه يحمل في كثير من الأحيان أهدافًا مرتبطة بالحسابات الإقليمية والمصالح الاقتصادية، لا بمصلحة الشعب الليبي.
الخوف الحقيقي لا يكمن في التمويل بحد ذاته، بل في الطريقة التي قد يُستخدم بها. ففي ظل غياب الشفافية وضعف المؤسسات، يخشى البعض أن تتحول هذه الأموال إلى وسيلة لتمرير توجهات سياسية تتوافق مع رغبات الممولين، أو إلى أداة لتغذية نفوذ شخصيات ومجموعات على حساب أخرى، بما قد يؤثر في مسار الحلّ ويعيد تشكيل السلطة بما يخدم الخارج أكثر مما يخدم الداخل. وهذه الهواجس ليست اتهامات قاطعة، لكنها تعكس فقدان الثقة المتراكم بين الليبيين وبين الأطراف الدولية بسبب سنوات طويلة من التدخلات المباشرة وغير المباشرة.
ويتساءل كثيرون عمّا إذا كانت هذه الأموال ستودع في حسابات مستقلة تخضع لرقابة دولية ومحلية واضحة، أم أنّها ستُنفق بقرارات مباشرة من الدول الممولة لصالح جهات وشخصيات بعينها. هذا النوع من الغموض يجعل أي تمويل خارجي لمسار سياسي محفوفًا بالمخاطر، خاصة في بلد ما زال يعاني من هشاشة مؤسساته وغياب آليات رقابية قوية.
ومن زاوية أخرى، يظهر سؤال أكبر: هل ليبيا تحتاج حقًا إلى دعم دولي مالي لإدارة حوار بين مكوناتها، أم أنّ هذا الدعم يُفرض عليها لتقييد القرار الوطني وإطالة أمد الفوضى بما يتماشى مع مصالح قوى إقليمية ودولية؟ فالدول التي ترى في ليبيا سوقًا مفتوحة للنفوذ أو الثروات لن تتردد في استغلال أي فراغ سياسي أو انقسام داخلي لمد جسور التأثير، وما التمويل السياسي إلا إحدى أدوات هذا التأثير.
إن ليبيا، بمواردها الضخمة وعدد سكانها القليل واحتياطاتها المالية الكبيرة، تملك كل المقومات اللازمة للنهوض دون الحاجة إلى “رعاة سياسيين”. ما تحتاجه فعلًا هو قرار وطني مستقل، وإرادة صادقة تضع مصلحة البلاد فوق مصالح الأفراد والجماعات وتيارات النفوذ.
وعليه، فإن أي تمويل خارجي للحوار السياسي يجب أن يكون محاطًا بأسئلة مشروعة حول دوافعه وشفافيته ومسارات إنفاقه. فالمسار السياسي الليبي لن يستقيم ما لم يُحمَ من التوظيف الخارجي، وما لم يُبنَ على إرادة داخلية صلبة ترفض الارتهان لمال يُنفق خارج دفاتر الدولة وخارج عين الشعب. وفي النهاية، الاستقرار الحقيقي لا تصنعه أموال الخارج، بل تبنيه مجتمعات تختار طريقها بحرية. أما إذا بقيت الحلول مرهونة بجهات خارجية، فإن مستقبل ليبيا سيظل عرضة للرياح، بينما يبقى الشعب في انتظار دولة تستعيد سيادتها وقرارها وكرامتها.
