مقالات الرأي

تحوُّل الإعلام.. من سلطة المؤسسات إلى سلطة الجمهور

بقلم / ناصر سعيد

لم يعد الإعلام كما عرفناه لعقود طويلة، حكرًا على المؤسسات الكبرى أو مرهونًا بميكروفون رسمي يحدد ما يُقال ومتى يُقال، لقد تغيَّر المشهد جذريًّا، فصار الناس أنفسهم المنصة والحدث وصُنّاع الرأي العام.

من بين زحام الشاشات خرج إعلام جديد لا يستند إلى مكاتب أو تصاريح، بل إلى لحظة آنية تستمد قوتها من تفاعل الجمهور، إعلام يقوم على البث المباشر لا على النشرة المسائية، وعلى المشاركة لا على التلقين، هكذا تشكّلت سلطة جديدة، سلطة تصنع من اللقطة العابرة حدثًا، ومن التفاعل الرقمي موجة قادرة على توجيه المزاج العام.

ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله في كونه تطورًا تقنيًا فحسب، بل هو تحوّل عميق في بنية السلطة داخل الفضاء العام، فقد تراجع الإعلام المؤسسي الذي كان لعقود أداة بيد السلطة السياسية أو رأس المال الاقتصادي، ليصعد مكانه إعلام الأفراد، القائم على نبض الناس وتفاعلاتهم اللحظية.

لم تعد المنصات تكتفي بنقل الأخبار، بل أصبحت تصنعها، ولم يعد الرأي العام يُوجَّه من القمة إلى القاعدة، بل يتشكل من الأسفل إلى الأعلى، هذا التحوّل في اتجاه تدفق المعلومات غيّر معادلة التأثير التقليدية، وأعاد تعريف العلاقة بين المتلقي والمرسل، بين الجمهور وصنّاع القرار.

من مكاسب هذا التحوّل أنه أعاد الصوت لمن كانوا صامتين، وفتح المجال لتعدد الرؤى والسرديات، غير أن هذا الانفتاح يحمل في طيّاته تحديًا بالغ الخطورة، إذ باتت الحرية في بعض الحالات غطاءً للتضليل، والمنصات فضاءً لتكريس الفوضى المعلوماتية.

ففي غياب المهنية والوعي النقدي، يمكن لأي صوت أن يتحوّل إلى ضجيج، وأي رواية إلى “حقيقة رقمية” تنتشر قبل التحقق منها، هنا تتجلى الحاجة الماسة إلى وعي جماعي يوازن بين الحرية والمسؤولية، ويصون صدقية الفضاء الإعلامي الجديد.

لم يعد بإمكان السلطة، ولا حتى رأس المال، احتكار المعلومة أو السيطرة على اتجاهات الرأي العام، انتهى زمن البيانات الرسمية والنشرات الموجهة، وبدأ عصر تصاغ فيه الحقيقة من هواتف الأفراد لا من مكاتب التحرير.

فقد الإعلام التقليدي هيبته حين أدرك الجمهور أن الحقيقة لا تسكن خلف الشعارات ولا في نشرات منتصف الليل، بل في الأصوات الحرة التي تبث من الشارع ومنصات التواصل، لقد انتقلت السلطة الإعلامية من المؤسسات إلى الجمهور، من المنبر الواحد إلى الفضاء المفتوح.

ومع أن هذا التحوّل أفرز أحيانًا حالة من الفوضى والتضليل، إلا أنه أسقط آخر أشكال “الهيمنة الناعمة” التي كانت تمارسها السلطة عبر أدواتها الإعلامية، لقد تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مساءلة علنية، يستطيع فيها كل صوت أن يحرج سلطة، وكل منشور أن يهزّ جدار الصمت الرسمي.

صنّاع القرار، رغم استمرار اعتمادهم على وكالات الأنباء والفضائيات العالمية كمصادر رئيسية للمعلومات، باتوا يدركون أن التفاعل الشعبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح العامل الحاسم في تشكيل المواقف وردود الأفعال.

فالحدث اليوم لا يكتمل بمجرد الإعلان عنه، بل يتخذ أبعاده من الزخم الرقمي المحيط به من التحليلات والتعليقات إلى التداول والمقاطعة والمناصرة.

ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية الجديدة تحمل خطر تشويه الحقائق، إذ قد تتشكل ردود الأفعال في غير سياقها الواقعي، لأن “الحقيقة الإعلامية” أصبحت متعددة الأوجه، بين ما يُعلن على المنصات، وما يُناقش خلف الأبواب المغلقة.

لقد دخلنا عصرًا جديدًا من الإعلام، تحرّرت فيه الكلمة من احتكار القنوات، وتحرّر فيه الرأي العام من الوصاية، غير أن هذه الحرية لا تكتمل إلا بوعي ناضج يدرك مسؤولية الكلمة في فضاء مفتوح بلا حواجز.

فالتحوّل الرقمي، رغم ما يحمله من فرص ديمقراطية، يبقى اختبارًا لقدرة المجتمعات على ممارسة الحرية بمسؤولية، إننا أمام مشهد إعلامي لا يقيس نضج الأمم بمدى اتساع منصاتها، بل بمدى وعيها في استخدامها.

زر الذهاب إلى الأعلى