مقالات الرأي

التعليم العالي في ليبيا.. أزمات في النفق أم حلول في الأفق؟!

بقلم/ جمال الجازوي

لا شك أننا مهتمون بالتعليم العالي في بلادنا، فإن لم يكن لنا أبناء وأحباب في مراحل وقطاعات التعليم العالي، فإننا نتابعه باهتمام، فبه ومنه تعد الأجيال وتؤهل الكوادر القادرة على بناء الوطن وإدارته، وتسليم رايته للأجيال.

ولما كنا ممن تشرفنا بواجبات الأستاذ الجامعي ومهنيته، فكان لزامًا علينا وضع أيدينا على مواطن الخلل ومواقع الزلل في هذا القطاع الهام.

ولنعد إلى بداية الألفية ومواكبة مسيرة التعليم العالي، حيث سكان ليبيا لم يتخط الملايين الستة، وكان لدينا توازن في المؤسسات التعليمية العالية، خصوصًا الجامعات الرسمية التي لم تتجاوز حينها ست جامعات، ويحظى أغلبها باعتراف دولي في معايير الجودة والمنهجية.

ومن أجل إيجاد مناخ تنافسي يشجع على المزيد من حرية واختيار مجالات التخصص تم التوسع في التعليم التشاركي وفق ضوابطه في حينه، وكان المقصود هو إيجاد أجواء تنافسية اختيارية لأبنائنا الطلاب، وكانت نتائجه على ما يرام.

المشهد الحالي:

أما اليوم وفي “ليبيا الجديدة” فحدث ولا حرج!

التوسع في التعليم العالي الرسمي بلغ أرقامًا مرعبة، فأصبح لدينا أكثر من 28 جامعة رسمية، تقريبًا كل مدينة أو قرية بها جامعة، وبالتأكيد تسيطر عليها الجهوية والمصالح الضيقة أكثر من ضوابط افتتاحها ومخرجاتها!

هذا العدد الكبير لا يتناسب بالتأكيد مع عدد سكان ليبيا، لو علمنا أن مصر مثلا صاحبة 110 مليون نسمة بها فقط 28 جامعة رسمية، وهذا العدد يتناسب مع عدد سكان البلاد ويلتزم بمعايير الجودة ومواكبة معدلات التنمية واحتياجات سوق العمل!

ولا ننكر أن لدينا ثروة هائلة من الأساتذة المؤهلين، الذين حصلوا على درجاتهم العلمية العالية بفضل إيفادهم من الدولة الليبية في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وحتى الألفية الجديدة، وذلك في شتى العلوم التطبيقية والإنسانية التي تذخر بها جامعاتنا ومعاهدنا والجامعات التخصصية.

أعضاء هيئة التدريس:

تضمنت مواد اللائحة 501 لأعضاء هيئة التدريس الصادرة في 2010 الكثير من الضوابط التي تحافظ على جودة التعليم وتحفظ من جهة أخرى حقوق الأستاذ وتطويره وتشجيعه على البحث والإبداع، فكان الإيفاد المجاني للخارج لنيل الدرجات العلمية وإجازات التفرغ العلمي للأساتذة والكثير من المزايا التي باتت اليوم معطلة نتيجة للظروف التي تمر بها البلاد وما صاحبها من فساد في كثير من الأحيان.

التوسع في التعليم الخاص:

الزيادة المفرطة في المؤسسات الخاصة أثرت سلبًا على جودة التعليم ومخرجاته، خصوصًا لما تقدمه من مغريات للطالب والأستاذ على حد سواء، لعل أولها الحافز المادي وتقليص الوعاء الزمني للدراسة، واستحداث العديد من التخصصات والمسميات المهنية كالحاسوب والإدارة والصرافة، والتي صرفت بدورها اهتمام الدارس عن تخصصات أصيلة تكاد الآن تفرغ من طلابها كالجغرافيا والتاريخ وعلم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع واللغة العربية. فالطالب يتجه إلى اللغة الإنجليزية، بينما العربية تفرغ من طلابها، ولا طائل من إقناع المقبلين على الدراسة بحسن الاختيار ما دامت المؤسسة خاصة والمقابل المادي متاحًا.

أفق الخروج من النفق:

1. التوقف فورا عن افتتاح الجامعات الرسمية، التي أصبحت عبئًا على الدولة واقتصادها، وصارت مرافق شبه خاوية من الطالب والأستاذ على حد سواء.

2. تحديث وتطوير بعض أقسام الإنسانيات، ولا ضير من دمج بعض أقسامها وتحويلها إلى شعب حفاظًا على أصالة التخصص واستمراريته.

3. اقتصار بعض أقسام الإنسانيات على الجامعات المركزية فقط كطرابلس وبنغازي وسبها ومصراتة، وإلغائها في الجامعات الإقليمية بهدف جذب الطالب وضمان استمرار التخصص واستقراره.

4. استحداث أقسام تخصصية تعنى بخصوصيات المكان في المناطق الصحراوية والنفطية.

5. التوقف عن ترخيص المزيد من المؤسسات الخاصة فقيرة الجودة، خصوصًا في العلوم التطبيقية، التي لا يمكن ضمان جودة مخرجاتها بالكامل بعيدًا عن أعين الدولة.

6. الاهتمام بإعداد وتكوين عضو هيئة التدريس وضمان إيفاده للخارج لاستيراد المعرفة، وبصفة خاصة في العلوم التطبيقية والتقنية، وضمان حقوقه في المؤتمرات والإجازات العلمية وحقوق النشر والبحث والإبداع.

7. التوسع في الإيفاد الداخلي بين الجامعات المحلية لتشجيع الدراسات العليا في الداخل وبناء الثقة في المؤسسات الوطنية.

8. التركيز على بناء المعامل واستيراد التكنولوجيا والوسائل العلمية لتطوير برامج التعليم في الداخل بدلًا عن استيراد البضائع الفاسدة والسلع المدمرة للمجتمع.

ليست هذه إلا محاولات وأفكار لإنقاذ التعليم قبل فوات الأوان، والمراهنة على بناء مجتمع صحيح يضمن مستقبل أبنائه ومؤسساته.

زر الذهاب إلى الأعلى