لقاء على حافة البحر

عبد الله ميلاد المقري
ذلك المساء لم يكن ككل الأمسيات..فحين رست السفينة الضخمة القادمة من الضفة الشرقية للبحر الأدرياتيكي متجهة إلى الشاطئ الإيطالي، وتحديدًا ميناء باري، كان الركاب يتهيّأون لليلة صيفية مُبهجة.السياح يتنقلون بين السهرات الموسيقية، والرقصات التي يشارك فيها الجميع بمرح خفيف، بينما جلس أحمد في ركن هادئ ينتظر أن يسأله أحد عن البلد الآتي منه، كما يحدث عادة في الرحلات البحرية الطويلة.
وفي الطاولة المقابلة، كانت تجلس سيدة إنجليزية غيّر المرض لون بشرتها ونبرتها. كانت آثار علاجها واضحة، ونصيحة طبيبها بالسفر في البحر الأبيض المتوسط والجلوس تحت الشمس أعطتها سُمرة إضافية أخفت معالمها قليلاً.
أحمد ردّ على أحد الحضور بلكنة متعثرة، فهو يعاني من تلعثم يجعله يتخطى بعض الكلمات، لكن السيدة الإنجليزية انتبهت لصوته أكثر من كلامه. نظرت إليه مطولًا، ثم قالت بعربية مكسّرة، وبصوتٍ مرتعش:
“أحمد… أنا أمك إليزابيث… هل تتذكرني؟”خَيَّمَ الصمت على القاعة كلها.
توقّف الغناء، وخفَ الإيقاع، وتجمّد الراقصون في أماكنهم.تجمّد أحمد بدوره، وكأن الزمن انسكب فجأة فوق كتفيه. نظر إليها طويلًا، اقترب منها خطوة، ثم مدّ يده ولمس وجهها، ومسح على شعرها كما لو أنه يعيد ذاكرة ضائعة من زمن بعيد… ثم انهار في بكاء عميق، غارقًا في دهشة الحنين.قام الجالسون حولهما بفتح الطريق، لتجلس السيدة بجانبه، وتضمّه إلى صدرها.
طلبت بصوت مرتجف من الفرقة أن تتوقف عن الغناء:“رجاءً… لحظة واحدة… هذا ابني.”ثم التفتت للحضور وأكملت:
“منذ ثلاثين سنة فقدت هذا الغالي… والده أخذه من ليبيا إلى لندن ليتعلم الإنجليزية. كان أحمد ابني الروحي… كنت أناديه: ابني. وكان يناديني: ماما إليزابيث. لكن والده أعاده إلى ليبيا فجأة… ولم أره بعدها.”سكتت، ومسحت دمعة نزلت رغماً عنها، ثم تابعت:
“والدي توفي بعد ثلاثة أشهر من عودته، ولم يبقَ لي أحد… لم أتزوج، ولم أُنجب. بقي لي فقط صورة أحمد وهو في الثامنة عشرة.” أما أحمد، فكان طوال تلك السنوات يحتفظ بالصورة نفسها داخل حقيبته. حاول مرارًا أن يهتدي إلى بيتها القديم في لندن.
سأل صديقًا هناك، وصف له الشارع الذي يتذكره باسم “الملك”، والباب الذي كانت تقف عنده السيدة التي ناداها دومًا: ماما إليزابيث، وفي هذه اللحظة… لحظة اللقاء…ساد هدوء عميق، وغرق الاثنان في عناق طويل استمر حتى عادت السفينة إلى مسارها.وقفت السيدة إليزابيث أخيرًا، ورفعت كأسها في الهواء قائلة: “هذا اليوم… أعاد لي الرب ابني. كل مشروبي… وكل ما يُقدَّم هذه الليلة… على حسابي. هذه أعظم معجزة في حياتي.
وأعلن أمامكم جميعًا… أن أحمد هو ابني، وكل مالي وممتلكاتي تحت تصرفه.”
وتحوّل صمت القاعة إلى تصفيق طويل…تصفيق يشبه حركة البحر…ويشبه قيام الحياة من جديد.
اثينا في 16/11/2025
