مقالات الرأي

مافيا الصناديق

بقلم/ عفاف الفرجاني 

عشية انتخابات ديسمبر 2021 التي روج لها باعتبارها لحظة الحسم لاستعادة الدولة، بدا أن ليبيا تتجه إلى اختبار حقيقي لإرادة الناخبين. سجل للسباق قرابة 98 مرشحا، وتجاوز عدد المسجلين للتصويت أربعة ملايين ناخب، في أكبر عملية قيد انتخابي منذ 2014. في هذا المشهد، برزت شخصيات وطنية من العيار الثقيل كانت ترى كتهديد حقيقي لمعادلات القوى القائمة؛ التف حولها آلاف المؤيدين بتوكيلات موثقة في مدن الغرب والجنوب، وعاد حضورها السياسي بقوة في استطلاعات داخلية، حاملة ملفات تَعِد بإعادة تعريف التموضع الإقليمي. غير أن هذا المسار انقلب سريعا: قرار إداري باستبعادها ضمن قائمة أولى ضمت نحو 25 اسما، بحجج قانونية قابلة للتأويل، أعقبه تجاذب قضائي انتهى إلى إرجاء الاقتراع برمته.

منذ تلك اللحظة تسربت إلى الكواليس رواية أكثر اتساقا مع خرائط المصالح لا مع نصوص القانون. الغرب، الذي أعاد تشكيل المجال الليبي بعد 2011 وفق منظومة أمنية وسياسية هشة، قرأ صعود تلك الشخصيات منها العسكرية ومنها السياسية محط جدل كاحتمال لإعادة التموضع نحو موسكو وبكين، بما يعنيه ذلك من عقود طاقة وبنى تحتية ومنافذ لوجستية تمتد من الساحل إلى العمق الإفريقي. في هذه القراءة غير المريحة، لا يعود صندوق الاقتراع مجرد إجراء ديمقراطي، بل بوابة استراتيجية قد تغير موازين المتوسط والجنوب، وتبعثر نفوذ عواصم راهنت لسنوات على إدارة الأزمة لا حلها.

في تفاصيل المشهد الإجرائي، لم تكن المسألة قانونية بقدر ما كانت هندسة دقيقة للنتائج. فقرارات الإقصاء بُنيت على مواد فضفاضة جرى توظيفها لتصفية الأسماء غير المرغوب فيها، فيما جرى تجاهل أحكام قضائية نافذة بحجة (الضمانات الانتخابية).

أما خلف الستار، فقد تكفلت الرسائل الدبلوماسية والاتصالات السرّية بتوجيه مسار العملية نحو ما سُمّي بـ(الانتخابات الآمنة) بضغط لاستبعاد بعض من الشخصيات الوطنية لكي تبنى العملية الانتخابية على مصالح الخارج لا على إرادة الداخل. هكذا صيغ المشهد ليُنتج شخصيات قابلة للتطويع، يسهل تمريرها عبر صناديق تحرسها المعادلات الدولية لا أصوات المواطنين. وعندما تعذّر إخراج النتيجة بالسيناريو المرسوم، أُغلقت الصناديق ببساطة، وأُجّلت الشرعية إلى إشعارٍ غير مسمى. هكذا تلاشى الموعد المعلن، وتكشف للناس أن النزاع لم يكن بين مرشحين، بل بين تصورين لمستقبل البلاد: ليبيا حرة تعيد صياغة تحالفاتها وفق مصالحها، أو ليبيا مدارة بنظام سماح دولي يحدد سقف الممكن.

راج خطاب يبرر الإقصاء باعتبارات السلم الأهلي والخشية من الاستقطاب، غير أن حصيلة الأعوام اللاحقة فاضحة، حيث لا رئيس، لا دستور مقر، ومؤسسات منقسمة تدار بآلية تعويم. والأخطر أن سابقة 2021 شرعنت مبدأ (النتيجة المقبولة دوليا) بدل (النتيجة المختارة وطنيا). إن قصة الإقصاء تلك ليست حادثة في دفتر الانتخابات، بل علامة على أن السيادة تختبر لحظة تصطدم إرادة الناس بحدود المسموح الخارجي. والسؤال الذي لا يزال معلقا، متى يرفع هذا السقف ليترك لليبيين وحدهم حق التجريب، وحق الخطأ، وحق اختيار طريقهم بلا وصاية؟!

زر الذهاب إلى الأعلى