ليبيا والدولة الممكنة: من جدل السلطة إلى مشروع الوطن

بقلم/ فرج بوخروبة
يُطرح في ليبيا، منذ عقود، سؤال جوهري لا يفقد أهميته: كيف نبني دولة مستقرة وعادلة؟
هذا السؤال ليس سياسيًا فحسب، بل هو سؤال وطني يرتبط بوجود المجتمع ومؤسساته واستمراره. ففكرة الدولة في ليبيا لم تكن وليدة مرحلة واحدة، بل حصيلة مسارٍ تاريخي طويل مرّ بتحولات سياسية واجتماعية متعاقبة.
عرفت ليبيا عبر تاريخها أنماطًا مختلفة من التنظيم السياسي، منذ العصور القديمة التي شهدت قيام المدن والممالك، مرورًا بالعهدين الإسلامي والعثماني، وصولًا إلى مرحلة الاستقلال عام 1951 وإعلان المملكة الليبية المتحدة. وقد مثّل ذلك التأسيس أول تجربة حديثة لبناء الدولة الليبية بمؤسساتها الدستورية.
وفي عام 1969، جاءت مرحلة سبتمبر لتشكّل محطة مفصلية في التاريخ الوطني. انطلقت تلك المرحلة في سياق عربي ودولي متغير، حاملةً شعارات التحرر والتنمية والوحدة، وسعت إلى إحداث تحولات في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية. غير أنّ التجربة واجهت أيضًا تحديات في إدارة التعدد السياسي، وفي تحقيق التوازن بين مركزية القرار ومتطلبات المشاركة المجتمعية. فهي مرحلة لها ما لها وعليها ما عليها، وتبقى جزءًا أساسيًا من تاريخ الدولة الليبية ينبغي دراسته بموضوعية علمية بعيدًا عن التجريم أو التمجيد، لاستخلاص الدروس الضرورية لبناء المستقبل.
إنَّ التجارب المتعاقبة تُظهر أن بناء الدولة لا يتحقق عبر الأشخاص أو الخطابات، بل من خلال مؤسسات دستورية فعالة تقوم على مبدأ سيادة القانون والمساءلة والفصل بين السلطات. فالمؤسسة هي التي تضمن استمرارية الدولة واستقلالها، بينما يؤدي غيابها إلى اختزال الدولة في شخص أو جماعة أو منطقة.
اليوم، وبعد أكثر من عقد من الصراع والانقسام، لم يعد السؤال “من يحكم؟” هو المحور الأهم، بل “كيف نحكم؟ وكيف نؤسس لنظام سياسي يعيد الثقة بين المواطن والدولة؟”. فالدولة الحديثة ليست كيانًا يُنشأ بقرارات فوقية أو تسويات مؤقتة، بل هي نتيجة توافق وطني على عقد اجتماعي يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويضمن الحقوق والواجبات على أسسٍ عادلة وشاملة.
لقد أثبتت التجارب المقارنة أن الدساتير التي تُفرض من طرفٍ واحد أو تُكتب بمعزل عن المجتمع، تفشل في توحيد الشعوب، بينما تنجح الدساتير التي تُبنى عبر حوار وطني شامل في تكوين قاعدة شرعية متينة. ومن ثم، فإن كتابة الدستور الليبي ينبغي أن تكون عملية تشاركية شفافة تراعي التنوع الجغرافي والاجتماعي والثقافي، دون أن تؤدي إلى تجزئة الوطن أو المساس بوحدته.
إنّ إعادة بناء المؤسسات العامة تمثل خطوة جوهرية نحو قيام الدولة. غير أن هذا البناء يتطلب فصلًا واضحًا بين التمثيل السياسي والكفاءة المهنية. المشاركة حقّ، لكن إدارة المؤسسات يجب أن تقوم على الكفاءة والنزاهة، لا على الانتماء أو الولاء. فالمؤسسة التي تُدار بالولاءات تتحول إلى أداة نفوذ، بينما التي تُدار بالكفاءة تصبح أداة خدمة للمواطن.
كما أن بناء الدولة لا ينفصل عن تحقيق العدالة الاجتماعية والمكانية. فالتهميش الذي طال مناطق واسعة، خصوصًا في الجنوب وبعض مناطق الغرب، أسهم في تعميق الفجوة بين المركز والأطراف. ومن ثم فإن اللامركزية الإدارية والمالية ليست تفكيكًا للدولة، بل وسيلة لتقويتها عبر توزيع السلطة والموارد بعدل، وتمكين المحليات من إدارة شؤونها ضمن إطار وطني موحد.
وفي السياق الاجتماعي، تمتلك ليبيا رصيدًا تاريخيًا من آليات الحوار المحلي والتسوية السلمية للنزاعات، مثل مجالس القبائل والعرف الاجتماعي. هذه الممارسات يمكن أن تشكّل قاعدة داعمة لمسار المصالحة الوطنية، شريطة أن تُدمج ضمن رؤية دولة القانون والمؤسسات، لا أن تكون بديلًا عنها. فالمصالحة الحقيقية تقوم على العدالة والاعتراف بالحقوق، لا على التسويات الوقتية.
اقتصاديًا، لا يمكن بناء دولة مستقلة دون اقتصاد وطني موحد. لقد كان النفط أحد أهم موارد البلاد ومصدر قوتها، لكنه تحوّل، في غياب المؤسسات، إلى عامل صراع وابتزاز. إن توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وضمان الشفافية في إدارة الإيرادات والإنفاق، يمثلان ركيزة أساسية لاستقرار الدولة وتحقيق التنمية المتوازنة.
كما يتطلب البناء السياسي والاقتصادي إصلاح المنظومة الإدارية، وتطوير الخدمة المدنية، وضمان استقلال القضاء، وإخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة مدنية ديمقراطية. فالدولة القوية ليست التي تمتلك القوة المادية فقط، بل التي تؤسس لشرعيةٍ قائمة على العدالة والمساءلة.
إلى جانب ذلك، ينبغي تمكين فئات المجتمع كافة من المشاركة في عملية البناء، الشباب والنساء والمغتربين، بوصفهم عناصر فاعلة في التنمية والإصلاح. فالشباب يشكّلون طاقة التغيير، والنساء شريك أساسي في الحياة العامة، والمغتربون يمكن أن يسهموا بخبراتهم واستثماراتهم في دعم الاقتصاد الوطني.
إنَّ بناء الدولة الليبية ليس مهمة مستحيلة، لكنه يحتاج إلى إرادة وطنية جماعية تتجاوز الحسابات الضيقة. فالدولة ليست شعارًا سياسيًا ولا مشروعًا مؤقتًا، بل منظومة قيم وإدارة ومؤسسات تستمد شرعيتها من خدمة المواطن وحماية حقوقه.
إنَّ طريق الدولة يبدأ من احترام القانون، وترسيخ مبدأ المساواة، ومحاسبة المسؤولين، وتكريس ثقافة العمل العام باعتبارها واجبًا وطنيًا. فالمعلم في مدرسته، والطبيب في مستشفاه، والموظف في موقعه، كلهم شركاء في بناء الدولة مثل السياسي وصانع القرار.
ليبيا تملك المقومات الأساسية: موقع استراتيجي، موارد طبيعية، وطاقات بشرية قادرة. ما ينقصها ليس الإمكانات، بل اتفاق وطني على مشروع دولة يتجاوز منطق الصراع نحو منطق الشراكة.
فالدولة، في جوهرها، ليست سلطةً تُمارس، بل أمانة تُصان، ولا تُبنى بالخطابات، بل بالإرادة الصادقة والعمل المؤسسي المستدام.
