ليبيا حالة بكائية

بقلم/ عبدالله ميلاد المقري
المتتبع للحالة الليبية بعقلٍ واعٍ يراعي مصلحة الوطن، وبأسلوبٍ بعيد عن الغوغائية، يدرك أن الانتهازية أصبحت اليوم مفتاحًا للارتزاق ومعبرًا للوصول إلى المناصب والثراء دون جهدٍ أو عرق جبين. لقد تحوّلت الكارثة الليبية إلى حالةٍ بكائية اجتماعية بكل المقاييس، تعكس حجم التدهور الذي أصاب القيم والمبادئ، حتى بات المشهد العام غارقًا في الفوضى واللامبالاة، ومثقلًا برداءة الأخلاق وخيانة الثوابت الوطنية التي لم تعد محرّمة في زمن ما بعد الكارثة التي رافقت مؤامرات ما سُمّي بالربيع العربي.
قد يظنّ البعض أن هذا وصفٌ متشائم، لكن الواقع أشد قسوة من كل تعبير. فما الذي تبقّى من وطنٍ تُنهش مؤسساته وتُسرق موارده ويُهان شعبه على أيدي من يفترض بهم إنقاذه؟ لقد غاب التوجه الوطني، وتقدمت الانتهازية، وباتت ليبيا أسيرة نفقٍ مظلم طال أمده دون بزوغ فجرٍ يعلن عن ميلاد حياة سياسية متعافية من عللها المزمنة. والمواطن الليبي المنهك لم يعد قادرًا على المقاومة، فقد أُغرق بمسكناتٍ زائفة حتى خارت قواه، وأصبحت مناعته الوطنية شبه معدومة، يتفرج على أكبر عملية احتيال تُمارس في وضح النهار بأيادٍ ليبية، فيما يسبح المتصدرون للمشهد في مياهٍ راكدةٍ عفنة قد تنفجر يومًا بتسونامي سياسي واجتماعي يُغرق الجميع. أما القلة التي تتمسك بالسلطة، فتستمد قوتها من الجهوية والأيديولوجيا، وخاصة تلك المرتبطة بمرجعيات إخوانية لا يعنيها إنتاج حلٍّ وطني، بل تسعى إلى إدامة الانقسام خدمةً لأجنداتها. وبعثة الأمم المتحدة فقدت فاعليتها بعد أن سلبها مجلس الأمن صلاحياتها، لتغدو عاجزة عن جمع الليبيين على مشروعٍ وطني جامع. أما من يديرون السلطة اليوم، فقد رفعوا الإشارة الحمراء في وجه أي محاولة لإعادة البلاد إلى المسار الديمقراطي، وأغلقوا الباب أمام خيار الشعب في اختيار من يحكمه.
وطالما استمر هذا الجمود، فإن ليبيا ماضية نحو كارثةٍ يصعب احتواؤها، خاصة مع تصاعد الصراعات الإقليمية والدولية التي قد تجعلها ساحة حرب جديدة.
إن الحل لن يأتي إلا من إرادةٍ وطنيةٍ خالصة تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، وتنقذ البلاد من النفق قبل أن يبتلع ما تبقّى من ضوءٍ وأمل.
