ملفات وتقارير

“الموقف الليبي” تفتح ملف الصيد الجائر للطيور وتكشف حجم الاعتداءات المتزايدة على الحياة البرية وانعكاساتها الخطيرة على البيئة الليبية


إعداد/ منيرة محمد

تشهد ليبيا في السنوات الأخيرة واحدة من أخطر الأزمات البيئية التي عرفتها في تاريخها الحديث، وهي أزمة الصيد الجائر للطيور، التي تحولت من ممارسة فردية تقليدية إلى عمليات إبادة واسعة النطاق تهدد التوازن البيئي والتنوع الحيوي للبلاد. وفي عمق الصحراء الليبية الممتدة من سرت حتى تخوم فزان وغدامس، وفي الواحات التي كانت لقرون طويلة محطة استراحة للطيور المهاجرة الآتية من أوروبا إلى إفريقيا، تتكشف ملامح اختلال بيئي خطير يتصاعد عامًا بعد عام، ليضع ليبيا في مصاف أكثر الدول العربية والعالمية تهديدًا للطيور المهاجرة والمقيمة.
ورغم أن ليبيا كانت تاريخيًا إحدى أهم نقاط العبور للطيور في شمال إفريقيا، فإن السنوات الأخيرة شهدت انهيارًا تدريجيًا لهذا الدور بسبب تصاعد عمليات القتل الممنهج للطيور، وانتشار أساليب صيد متطورة، وغياب منظومة رقابية قادرة على ضبط المشهد. هذا النزيف البيئي المستمر لا يمسّ الطيور وحدها، بل يطال النظام البيئي المتكامل الذي يعتمد على الطيور في مكافحة الآفات الزراعية، تلقيح النباتات، التحكم في القوارض، وحماية الغطاء النباتي في المناطق الزراعية والصحراوية.
ولأن عمليات الإبادة لم تعد مجرد ممارسة فردية أو موسمية، بل تحولت إلى نشاط شبه منظم تشارك فيه مجموعات مسلحة وتمتلك وسائل قنص متطورة، تبدو ليبيا أمام أزمة تتجاوز البُعد البيئي لتصل إلى مستويات تهدد الأمن الغذائي والصحة العامة والموارد الطبيعية.
التقرير الآتي يقدّم قراءة تحليلية موسّعة لجوانب الأزمة، مستندًا إلى بيانات منظمة «حياة الطيور الدولية»، وشهادات جمعيات حماية البيئة الليبية، وتوثيقات ميدانية، إضافة إلى تحليل أوسع لنقاط الخلل، وأبرز الحوادث، والتوصيات المقترحة لوقف نزيف الطبيعة.


ليبيا في المرتبة الرابعة عربيًا.. أرقام دولية تكشف حجم الكارثة
وفق أحدث تقارير منظمة حياة الطيور الدولية BirdLife International، وهي الجهة المرجعية الأكثر دقة عالميًا في مراقبة حركة الطيور المهاجرة ومعدلات نفوقها، تحتل ليبيا المرتبة الرابعة عربيًا من حيث عدد الطيور المقتولة بطرق غير قانونية. وتشير المنظمة إلى أن البلاد تشهد مقتل أكثر من 503 آلاف طائر سنويًا، وهو رقم يعكس حجم الانتهاكات التي ترتكب بحق الحياة البرية، ويكشف عن مدى تدهور أدوات الرقابة وضعف تطبيق القوانين.
ويُعد هذا الرقم بمثابة ناقوس خطر، إذ لا يمثل مجرّد مؤشر كمي، بل يعكس انهيارًا بنيويًا في منظومة حماية البيئة. كما أن هذه الإحصائية لا تشمل سوى ما تمكنت المنظمة من توثيقه، ما يعني أن الأعداد الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، خاصة في المناطق الصحراوية الشاسعة التي يصعب الوصول إليها.
وبحسب تقارير المنظمة نفسها، كانت ليبيا فيما مضى إحدى أهم محطات الهجرة للطيور القادمة من شمال أوروبا والمتجهة إلى إفريقيا جنوب الصحراء. ولكن عمليات الصيد المكثفة التي تستهدف الطيور تحديدًا خلال مواسم الهجرة أدت إلى تغيّر جذري في أنماط مرور الطيور، إذ بدأت أنواع عديدة في تغيير مساراتها هربًا من العبور فوق ليبيا، التي باتت واحدة من أخطر نقاط الإبادة في حوض المتوسط.
العوامل العميقة للأزمة.. لماذا تفاقم الصيد الجائر بهذا الشكل؟
1 – غياب منظومة رقابية قادرة على تغطية الجغرافيا الليبية الواسعة
تمتد ليبيا على مساحة تتجاوز 1.7 مليون كيلومتر مربع، وهي واحدة من أكبر الدول الإفريقية مساحة. ومع هذا الاتساع الهائل، تغيب مؤسسة وطنية متخصصة لحماية الحياة البرية تمتلك القدرة على مراقبة الصحارى والواحات والمناطق المحاذية للطرق الساحلية التي تمر عبرها الطيور. كما لم تنجح الجهات المعنية في فرض قوانين البيئة بصورة فعالة بسبب الانقسام السياسي وتعدد مراكز القوة.
وبفعل هذه الفوضى، توسعت مساحات الانتهاكات، وأصبحت العديد من مناطق الصيد خارج سيطرة الدولة، ما سمح بتحول الظاهرة من ممارسة محدودة إلى نشاط واسع.
2 – انتشار الأسلحة المتطورة ووسائل القنص الحديثة
أحد العوامل الأكثر تأثيرًا في تفشي الظاهرة هو انتشار الأسلحة المتطورة. فقد أصبحت بنادق القنص الدقيقة والمناظير الليلية وأجهزة تحديد المواقع متاحة في السوق الليبية بسهولة، ويستخدمها الصيادون لاصطياد الطيور بكميات ضخمة في ساعات قليلة. بل إن بعض المجموعات باتت تستخدم سيارات دفع رباعي مزودة بمصابيح قوية، وأحيانًا طائرات مسيّرة لرصد تجمعات الطيور، وهو ما حوّل الصيد إلى عملية عسكرية منظمة.
3 – ظهور مجموعات مسلحة تستغل الصيد كمورد اقتصادي
تؤكد الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية أن بعض المجموعات المسلحة باتت تمارس الصيد ليس كهواية، بل كمصدر للربح من خلال بيع الطيور المقتولة أو استخدامها في التجارة الخارجية. وتفرض هذه المجموعات سيطرتها على مناطق تجمع الطيور، خاصة في الجنوب والواحات، وتستخدم أساليب مطاردة ليلية تشبه عمليات التعقب العسكري، ما يؤدي إلى قتل أعداد مهولة.
4 – ضعف التوعية البيئية وانعدام التعليم البيئي في المدارس
لا تعالج المناهج الدراسية الليبية موضوعات البيئة والحياة البرية بشكل فعال، كما تفتقر البلاد إلى حملات توعية وطنية مستمرة. ولهذا، يبقى المواطن الليبي غير مدرك لدور الطيور في حماية البيئة والتوازن البيئي. ففي دول العالم، تقوم المجتمعات المحلية بدور كبير في مراقبة المحميات والإبلاغ عن الانتهاكات، بينما يغيب هذا الدور في ليبيا تقريبًا بالكامل.
أثر الصيد الجائر على البيئة الليبية.. اختلال التوازن وخسارة التنوع الحيوي
الطيور عنصر رئيسي في السلسلة الغذائية، وهي مسؤولة عن تلقيح النباتات، ومكافحة الآفات، والمحافظة على التوازن بين الحشرات والقوارض. ومع تراجع أعدادها، تتعرض البيئة الليبية لاختلالات خطيرة:
1 – زيادة الحشرات والقوارض بشكل غير مسبوق
الطيور الجارحة والمغردة تلعب دورًا محوريًا في ضبط أعداد القوارض. ومع اختفائها من مناطق واسعة، ترتفع أعداد الفئران والجرذان والحشرات بشكل كبير، ما ينعكس سلبًا على الزراعة والصحة العامة.
2 – ارتفاع تكلفة المبيدات الزراعية وتراجع جودة التربة
غياب الطيور يجعل المزارعين يعتمدون بشكل أكبر على المبيدات الكيماوية، ما يزيد التكلفة ويؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة المحاصيل.
3- اختفاء أنواع كانت شائعة في ليبيا
تراجعت أعداد الهدهد والسمان والطيور المغردة، واختفت بعض الأنواع تقريبًا من المناطق الساحلية. كما تراجعت أعداد النسور والصقور التي كانت جزءًا من التراث البيئي للبلاد.
4- تأثير مباشر على الأمن الغذائي الليبي
كلما ازداد الخلل في التوازن البيئي، ازداد الضغط على القطاع الزراعي الذي يعاني أساسًا من هشاشة كبيرة، ما يهدد الأمن الغذائي للمواطنين.
حادثة تازربو.. الصدمة التي كشفت حجم الكارثة
في واحدة من أكثر الحوادث صدمة، وثقت الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية في يوم واحد فقط مقتل 518 طائرًا قمريًا في منطقة تازربو. وقد صُفّت الطيور على الأرض في مشهد اعتبرته الجمعية “جريمة إبادة كاملة” و”أكبر عملية قتل طيور موثقة في تاريخ ليبيا الحديث”.
انتشرت صور الحادثة على وسائل التواصل والمواقع الإخبارية، وأثارت موجة استنكار دولية ومحلية، نظرًا لضخامتها وكونها نموذجًا مصغرًا لما يحدث يوميًا في مناطق أخرى لا تصل إليها عدسات الكاميرات.
طالبت الجمعية عقب الحادثة بفتح تحقيق رسمي ومحاسبة المسؤولين، لكنها لم تتلقّ أي استجابة واضحة، ما زاد من الشعور بأن الدولة غائبة عن ملف البيئة.
التحذيرات الرسمية والإعلامية.. صرخة في وجه التجاهل
ظهر رئيس الجمعية الليبية للطيور في 11 يوليو 2025 على قناة ليبيا الأحرار، محذرًا من أن ليبيا وصلت إلى مرحلة حرجة تهدد موقعها ضمن خارطة الهجرة العالمية. وأكد الرجل أن “الطيور لم تعد تمر كما كانت سابقًا فوق ليبيا”، وأن “الطبيعة بدأت تنتقم بطريقتها”.
وأشار إلى أن استمرار الصيد الجائر سيؤدي إلى خروج ليبيا من مسارات الهجرة، وهو أمر ينعكس بشكل مباشر على التنوع البيئي.
كما شدد على أن حماية الطيور ليست مسألة ترف بيئي، بل قضية متعلقة بالصحة العامة والزراعة والاقتصاد المحلي.
الوعي المجتمعي.. الحلقة الأضعف في معادلة الحماية
رغم التحذيرات المستمرة، يبقى الوعي المجتمعي المحدود أحد العوائق الكبرى أمام معالجة الأزمة. فالكثير من المواطنين لا يدركون أن الطيور التي تُقتل تُسهم في تلقيح النباتات، وفي تقليل الحشرات، وفي تخفيف الحاجة للمبيدات. كما لا يدركون أن غياب الطيور سيؤدي إلى زيادة الأمراض الزراعية وظهور آفات جديدة، ما يعني خسائر اقتصادية وبشرية.
وبسبب غياب الإعلام البيئي في ليبيا، وانعدام حملات التوعية الوطنية، يظل المواطن غير مدرك لمدى الارتباط بين الطيور وصحته وبيئته.
توصيات واقعية قابلة للتنفيذ.. كيف توقف ليبيا نزيف الطبيعة؟

1. تفعيل قانون حماية الحياة البرية


القانون موجود لكنه غير مطبق. يجب تحديثه وتشديد العقوبات على صيد الطيور المهاجرة وعلى استخدام الأسلحة المتطورة في الصيد.

2. إنشاء قوة رقابة بيئية مشتركة


على وزارة البيئة والبلديات تشكيل قوة مشتركة مزودة بسيارات دفع رباعي ووسائل مراقبة لتغطية المناطق الصحراوية.

3. إعلان محميات جديدة في الجنوب والشرق


مناطق تجمع الطيور في فزان والجفرة والواحات يجب أن تُعلن محميات طبيعية ومنع أي نشاط صيد داخلها.

4. إطلاق حملة توعية وطنية واسعة


تشمل المدارس، الجامعات، الإذاعات، القنوات، والمحتوى الرقمي.

5. منع بيع الأسلحة المتطورة المستخدمة في الصيد، وتشديد المراقبة على الأسواق غير الرسمية.

6. إدماج موضوع حماية الحياة البرية في المناهج الدراسية، لتعزيز الوعي البيئي لدى الأجيال القادمة.


هل يمكن إنقاذ الحياة البرية في ليبيا؟
رغم حجم الأزمة، لا يزال بالإمكان إنقاذ ما تبقى من الحياة البرية في ليبيا، لكن الوقت يضيق بسرعة. فإذا استمرت عمليات الصيد الجائر دون رقابة، قد تفقد ليبيا في سنوات قليلة أنواعًا كانت جزءًا من بيئتها لقرون طويلة. أما إذا تحركت الدولة الآن، وشاركت المجتمعات المحلية والجمعيات البيئية في عملية الإصلاح، يمكن للبلاد أن توقف النزيف وتعيد بناء منظومتها البيئية.
إن حماية الطيور ليست مسألة عاطفية أو شكلية. إنها قضية تمسّ الإنسان قبل البيئة. فقتل نصف مليون طائر سنويًا يعني تهديدًا مباشرًا للحياة البشرية نفسها. إنه نزيف يجب إيقافه، ليس فقط من أجل الطيور، ولكن من أجل مستقبل ليبيا كلها.

زر الذهاب إلى الأعلى