الخائفون من الثأر!

بقلم/ مصطفى الزائدي
من أخطر الأشياء التي تواجه المجتمعات، صغيرها وكبيرها، بدءًا من الأسرة إلى القبيلة إلى الأمة، هي تنامي الأحقاد والدعوات إلى الأخذ بالثأر؛ فهي تحرك دائرة مفرغة من الصراع لا تنتهي أبدًا.
يتوهم البعض أنه نجح في إخمادها، لكنها سرعان ما تشتعل ثانية، وربما تكون أكثر ضراوة وأشد خطورة.
يقوم الثأر على مبدأ الانتقام وردّ الأذى بمثله أو أشد، وهو للبعض وسيلة لاستعادة الكرامة وتحقيق العدالة، رغم أنه يفتح بابًا واسعًا للعنف ويؤدي إلى سلسلة لا تنتهي من الصراع.
والغريب أن الجميع، على مستوى الأفراد والجماعات والدول، يرفضون الثأر ويتحدثون عن أخطاره، لكنهم عندما يتعلق الأمر بهم يمارسونه بكل وحشية وفظاعة!
ويكفينا مثالًا أن الحرب العالمية الأولى قامت ثأرًا لمقتل ولي عهد النمسا في صربيا، وأن فرنسا احتلت تونس ثأرًا لإهانة قنصلها من قبل الباي الذي ضربه بالمنشّة! وأن احتلال بنما في تسعينيات القرن الماضي كان ثأرًا من “نورييغا” الذي كان يعمل لصالح أمريكا ثم انقلب عليها، وأن كل التدخلات الغربية في المنطقة العربية تمت ثأرًا من مواقف قادتها تجاه الغرب.
لقد شنت أمريكا عدوانًا كبيرًا هو الأضخم منذ حرب فيتنام على ليبيا عام 1986 ثأرًا لمقتل جنود أمريكيين في برلين!
الحقيقة التي يحاول البعض نكرانها أن الثأر وسيلة يمارسها الجميع عندما يشعرون بأذى مادي أو معنوي.
والمجتمع الليبي على وجه الخصوص مليء بحكايات وأخبار الثارات، داخل القبائل وبينها، ولم تهدأ وتيرتها إلا بعد أن نجحت الدولة الليبية عام 1969 في فرض سيطرة أمنية شاملة، وأنجزت خطوة واسعة في المصالحة الاجتماعية، وحلّت مشكلات الأراضي القبلية المتنازع عليها بإعادتها للدولة واستثمارها في مشروعات زراعية استراتيجية كبرى، لا يزال بعضها قائمًا، بينما تعرّض البعض الآخر للتدمير أثناء زمن الفوضى. لكن ما حدث عام 2011 أشعل شرارة لثارات مستجدّة زاد من شدتها الفشل في بناء مؤسسات الدولة.
أثناء العدوان الأجنبي وبعده، حدثت جملة تجاوزات تجاه الأفراد والمدن والقبائل، ربما لم يشهد لها التاريخ مثيلًا: القمع، نهب الممتلكات “التمشيط” تحت ذريعة الغنائم، اغتصاب النساء والرجال والإعلان عن ذلك، التعذيب بوسائل القرون الوسطى، ذبح الناس وصلبهم، والتمثيل بالجثث، تهجير مدن كاملة وحرقها -تاورغاء نموذجا- هدم الأضرحة، نبش القبور، تشويه الأماكن الأثرية إلى آخر سلسلة طويلة من الجرائم والفظائع لا تنتهي طالت أغلب الليبيين بمن فيهم من كانوا شركاء في المؤامرة أنفسهم!
يقول صديقي صالح من العجيلات مازحًا:
“إن العجائز بالعجيلات توقفوا عن تكبيرة الإحرام في الصلاة، بسبب أن المجرمين يهجمون على البيوت، ويعبثون بالبشر والممتلكات وحتى الحجر وهم يكبّرون!”.
أتفق بلا تحفظ مع كل الداعين للابتعاد عن فكرة الأخذ بالثأر والمطالبة بمعالجة المشكلات بأساليب قانونية واجتماعية، وأضم صوتي إلى أصواتهم.
لكن في الواقع تلك الدعوات لن تغيّر من الأمر شيئًا؛ فالمسألة لا تتعلق بالعواطف، بل بمعاناة شخصية بسبب أعمال مرتكبوها معروفون! فمن قُتل أبناؤهم أو آباؤهم أو أقاربهم وهم يرون القتلة يسرحون ويمرحون، ومن استبيحت أعراضهم ونهبت أملاكهم أو أُحرقت، كيف نمنعهم من البحث عن حقوقهم عندما يستطيعون إلى ذلك سبيلًا؟
في تقديري، هذا كلام بلا معنى، وعبث سياسي ليس إلا.
إذا أردنا أن نقتلع فكرة الثأر من الأذهان من جذورها، فعلينا أن نسعى إلى بناء الدولة التي يقتنع الناس بأنها ستتولى نيابة عنهم استرجاع حقوقهم وردّ مظالمهم وكفّ الظلم عنهم جميعا وبشكل متساو وبعيدا عن فكرة المنتصرين والمهزومين!
ما يجري في بلادنا اليوم هو أن قلّة قليلة اعتقدت أنها تمكنت من السيطرة وامتلكت وسائل القوة لتفرض ما تريد وتحقق ما تشاء، ضاربةً عرض الحائط بما عاناه كثير من الليبيين من انتهاكات جسيمة. فكيف نستطيع أن نطلب من المظلومين المستضعفين ألا يطرحوا، ولو باللسان، حقهم في الثأر ممن آذاهم؟
الرافضون لفكرة المطالبة بالثأر، إن كانوا صادقين، فعليهم أن يسعوا إلى بناء دولة الجميع التي تنظر إلى الكل بعين المساواة، وليس دولة الذين غلبوا بشكل أو آخر عام 2011.
دولة لا سبتمبر ولا فبراير بمعنى حقيقي ومتكامل، وليس مجزأ، وهذا لا يعني إطلاقًا احتواء سبتمبر في فبراير أو فرض تنازل “السبتمبريين”، وهم أغلبية الشعب!
هذا الشعار يتطلب التوافق بين التيارين، السبتمبري والفبرايري بصنوفه العديدة، على بناء دولة جديدة تقوم فعلًا على المساواة التامة بين الليبيين في الحقوق والواجبات، وليس دولة طفيلية فاسدة تتعيّش على استمرار اضطهاد السبتمبريين لأتفه الأسباب.
ولعل المشروع الوطني الذي تطرحه القوات المسلحة نقطة انطلاق وقاعدة يمكن البناء عليها.
