مقالات الرأي

التحول الديمقراطي.. غاية أم وسيلة!

بقلم/ عبد المجيد قاسم

في ليبيا، الجميع، من المحللين إلى عامة الناس، يرى أن حل إشكالية السلطة في هذا البلد هو الوفاء بما يسمونه “الاستحقاقات الدستورية” التي هي جزء من التحول الديمقراطي، ويقصدون بذلك الانتخابات، رئاسية أكانت أم برلمانية أو ما شابه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، وإن كان يحتاج إلى قليل من الجرأة، هو: هل تصلح الديمقراطية بالمقاس الغربي لليبيين؟

أنا شخصيًا أكاد أجزم بأنها لا تصلح، ولن يكون لها وجود حقيقي في ليبيا، بل ربما تقود البلاد إلى مزيد من الانقسام، فالديمقراطية، كما تُمارس عندنا، لا تفتح الباب أمام الكفاءات بقدر ما تفتح الطريق أمام الأذكى في التلاعب والأقدر على ركوب الموجة.

فمفهوم الديمقراطية في ذهن الليبيين ليس كما هو في عقول غيرهم؛ هي عندنا انتخابات وحسب، لا رقابة بعدها ولا محاسبة؛ فرصة للظفر بالمناصب، لا لتبادل السلطة أو تجديدها، فإذا ظفر أحدهم بمنصبٍ، فغالبًا لن يتركه إلا إلى القبر.

قد يقول قائل: “هذه ضريبةٌ ينبغي دفعها ليتعلم الشعب أصول الحكم الرشيد”، وأرد عليه: بل هي ضريبة باهظة يدفعها الوطن كله، لأن الناس يتعلمون من خلالها أن الانتخابات ليست وسيلة لبناء الدولة، بل فرصة للحصول على نصيبهم من الثروة العامة عبر التربح بالوظيفة.

لقد تحولت الديمقراطية عندنا إلى وسيلة لممارسة الحق في الفساد، لا لمحاربته، وسيربي الناس أبناءهم على ذلك، بل ربما يصبح الأمر درسًا يتلقاه التلاميذ في المدارس: كيف تصبح نائبًا في البرلمان!

إشكالية ليبيا ليست في غياب الحلول، بل في الإصرار على تطبيق حلول لا تناسب طبيعة المجتمع الليبي؛ فالعقلية القبلية والمناطقية، والاقتصاد الريعي القائم على مصدر واحد للثروة- مصدر طبيعي لا جهد لأحد فيه- تجعل تطبيق الديمقراطية الغربية كمن يحاول ارتداء ثوب ليس على مقاسه، وليس في هذا التشبيه إهانة لأحد، بل توصيف لعدم التناسب بين الفكرة وواقعها.

والإشكالية أو الخطأ الذي وقعت فيه البعثات الأممية المتعاقبة على ليبيا منذ العام 2011م، هو محاولة التعامل مع الأزمة الليبية بمثالية، انتخابات تقود إلى تداول سلطة، وبرلمان محايد قوي يمثل الشعب، أي محاولة جعل ليبيا كبريطانيا بين غمضة عين والتفاتتها! ولا أدري هل توصلت البعثة الأممية إلى أن الليبيين لا يزالون يفكرون بعقلية الآباء والأجداد أم لا؟ وهل أدركت تلك البعثة أن الحديث عن الديمقراطية والانتخابات في ليبيا لا يعدو أن يكون وهمًا؟ بل إن الإصرار على انتخابات، وخاصة رئاسية، قد يدفع البلاد إلى أتون الاحتراب والانقسام، ويعيدها إلى ما قبل سنة 1922م.

ليبيا لن يصلح حالها إلا بصياغة نظام ينبع من طبيعة شعبها، فالليبيون، في وجدانهم الجمعي، لا يجدون غضاضة في أن يحكمهم شخص قوي، طالما يمسك بزمام الأمور ويضرب خصومه بيدٍ من حديد، فالاستبداد الرشيد هو الأصلح ببلد لا يرى فيه أحد لأحد فضلًا لكي يتولى زمام الأمور، لذا فلن يعطي أحد أحدًا فرصة القيادة حتى يأتي من ينتزعها انتزاعًا، وهذه ليست نظرة تشاؤمية، بل توصيفًا لثقافة ما زالت ترى في “القائد القوي” رمزًا للأمان أكثر من “المؤسسات القوية”.

وليس المقصود هنا رفض الديمقراطية كمبدأ، بل رفض استنساخها دون تهيئة بيئتها، فقبل أن نحلم بصناديق الاقتراع، يجب أن نبني ثقافة تؤمن بأن المنصب مسؤولية لا غنيمة، وتكليف لا تشريف، وأن الدولة ليست قبيلة كبرى، بل عقدًا اجتماعيًا لا يُدار بالعاطفة ولا بالغلبة.

زر الذهاب إلى الأعلى