ما اللغز وراء الحوار المهيكل؟

بقلم/ أحمد زريبة
يشهد المشهد الليبي في الآونة الأخيرة عودة الحديث عما يسمى «الحوار المهيكل» الذي تتبناه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، كخطوة جديدة لمحاولة تجاوز حالة الانسداد السياسي الراهنة. غير أن هذا التوجه الأممي يثير الكثير من التساؤلات حول طبيعته وأهدافه، ومدى تعبيره عن إرادة الليبيين الحقيقية، في ظل تجربة طويلة من التدخلات الخارجية التي لم تُنتج سوى مزيد من الانقسام والتعقيد.
فالفكرة المعلنة لهذا الحوار تقوم على تنظيم النقاشات بين الأطراف الليبية ضمن محاور محددة تُدار بإشراف دولي مباشر، بما يُفترض أنه يضمن الانضباط والتوافق. غير أن الواقع يُظهر أن مثل هذه المبادرات كثيرًا ما تتحول إلى أدوات وصاية سياسية، تُدار وفق أجندات دولية وإقليمية، وتُصاغ مخرجاتها بما يتماشى مع مصالح أطراف خارجية أكثر مما يعكس تطلعات الشعب الليبي. لقد أثبتت التجارب السابقة أن معظم المبادرات التي حملت شعار «الوساطة الدولية» لم تستطع فهم الخصوصية الليبية أو احترام إرادة المجتمع، بل ساهمت في إطالة أمد الأزمة وخلق مسارات موازية أضعفت فرص الحل الداخلي.
إن ليبيا اليوم في حاجة إلى حوار وطني صادق ومباشر، يكون ليبيًّا خالصًا في فكرته ومكانه ونتائجه، يجمع أبناء الوطن من كل المناطق والانتماءات دون وسطاء أو إملاءات. فالحوار الليبي–الليبي وحده هو الطريق الحقيقي نحو المصالحة وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وهو السبيل إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المؤسسات والقانون. امتلاك القرار الوطني لا يتحقق إلا عندما يمتلك الليبيون إرادتهم في إدارة شؤونهم بأنفسهم، بعيدًا عن الضغوط الخارجية التي أثبتت فشلها في كل مرة.
إن بناء الدولة لا يمكن أن يتم عبر اتفاقات تُعقد في الخارج أو تُفرض من أطراف أجنبية، بل من خلال رؤية وطنية شاملة تنطلق من مبدأ السيادة الكاملة، وتضع نصب أعينها وحدة التراب الليبي ومصلحة المواطن فوق كل اعتبار. فالدولة الليبية التي ينشدها الجميع هي تلك التي تُعيد الأمن والاستقرار، وتفعّل مؤسساتها العسكرية والمدنية، وتحقق العدالة والتنمية في كل مناطق البلاد. وحين يتحقق هذا الوعي الجمعي بضرورة الحوار الذاتي، فإن ليبيا ستقطع شوطًا كبيرًا نحو استعادة مكانتها العربية والإقليمية والدولية.
لقد آن الأوان لأن يدرك الليبيون أن الحل الحقيقي لأزمتهم لن يأتي من الخارج، وأن أي مسار سياسي لا يستند إلى الإرادة الوطنية الصافية سيبقى ناقصًا ومهددًا بالانهيار. إن المستقبل يُصنع بالحوار الوطني الشفاف، وبالإيمان أن ليبيا قادرة على النهوض من جديد إذا ما اجتمع أبناؤها على كلمة سواء. فالحوار الليبي–الليبي ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة وطنية وركيزة أساسية لبناء دولة ذات سيادة تحمي قرارها وتستعيد مجدها بين الأمم.
