في متاهة البعثات الأممية.. ليبيا تدور في دائرة مغلقة

بقلم/ محمود امجبر
منذ أن وطأت بعثة الأمم المتحدة أرض ليبيا، وهي تفتح أبوابها للنخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تستقبل الشباب والنساء، وتجمع المقترحات وتُحيك الحوارات. لكن كل هذا الحراك، بكل ما فيه من أمل، يتبخر مع انتهاء ولاية المبعوث الأممي، ليبدأ القادم من نقطة الصفر، وكأن الزمن لا يتقدم، بل يعيد نفسه في مشهد عبثي مكرر.
كل مبعوث جديد يعيد رسم خارطة الطريق، يغير الآليات، ويبدل السياسات، ليجد نفسه في ذات الدائرة الأولى. وكأن الأمر ليس صدفة، بل خطة مدروسة، تُدار من وراء الستار الغربي، حيث تُستثمر الفوضى الليبية لصالح دول لا تريد لليبيا أن تنهض، أن تتوحد، أن تكون دولة ذات سيادة.
تصريح تيتا الأخير لم يكن عابرًا، حين قالت إن الدول الخمس الكبرى، ومعها الدول المجاورة، لا ترغب في رؤية ليبيا قوية، كانت تضع النقاط على الحروف. فصلاحيات البعثة محدودة، والتقدم مستحيل دون توافق تلك القوى، والتوافق يبدو الآن ضربًا من الخيال.
في ظل هذا المشهد، يتحول الاجتماع مع البعثة إلى مضيعة للوقت. فالمنتفعون السياسيون يتسابقون لتقديم أنفسهم، يلبسون عباءة فبراير حينًا، وعباءة الجماهيرية حينًا آخر، يروجون لأجنداتهم، ويخدمون مصالحهم، لا مصالح الوطن.
للخروج من هذه الدائرة، لا يكفي أن ننتظر مبعوثًا جديدًا أو بيانًا أمميًا. ما نحتاجه هو حراك شعبي حقيقي، ينبع من القاعدة، يطالب بالتحرر من البند السابع، ويعيد إلى ليبيا صوتها، وقرارها، وسيادتها.
الخروج من البند السابع.. بداية التحرر الحقيقي
إن البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل تحول إلى قيد سياسي ثقيل، كبّل الإرادة الوطنية، وفتح الباب لتدخلات خارجية لا تنتهي. هذا البند، الذي يُفعل عادة في حالات تهديد السلم والأمن الدوليين، جعل من ليبيا ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية، حيث تُدار شؤونها من غرف مغلقة في نيويورك وجنيف، لا من قاعات شعبها في طرابلس وبنغازي وسبها.
الاستمرار تحت هذا البند يعني بقاء ليبيا في حالة “وصاية دولية”، حيث لا تُتخذ القرارات السيادية إلا بموافقة القوى الكبرى، ولا يُسمح للشعب الليبي بأن يقرر مصيره دون تدخل. إنه تجميد للسيادة، وتعطيل للديمقراطية، وإبقاء للفوضى كأداة لإعادة تدوير الأزمات.
الخروج من البند السابع ليس رفاهية سياسية، بل ضرورة وطنية. إنه الخطوة الأولى نحو استعادة القرار الليبي، نحو بناء مؤسسات حرة، نحو إنهاء زمن البعثات التي تبدأ ولا تنتهي، وتعيد إنتاج ذات الحلقات المفرغة.
ولن يتحقق هذا الخروج إلا بحراك شعبي واسع، يفرض إرادته على الداخل والخارج، ويعيد رسم المشهد السياسي من القاعدة إلى القمة. حينها فقط، يمكن لليبيا أن تتحرر من عباءة الوصاية، وتلبس ثوب السيادة، وتكتب فصلًا جديدًا من تاريخها، بمداد أبنائها لا بحبر القرارات الدولية.
ليبيا تستحق أن تكون دولة حرة، قوية، موحدة.. ولن يكون ذلك ممكنًا ما دامت مكبّلة بالبند السابع.
