وزارة الخارجية الليبية.. جهاز سيادي مُختَطَف تُديره القرابة وتنهشه المحسوبية ويتصدّع تحت ثقل الفساد

تحقيق – عفاف الفرجاني
شهدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في ليبيا خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في أدائها السياسي والإداري والمهني، على الرغم من أن دورها الأساسي يتمثل في تمثيل الدولة في الخارج، والدفاع عن مصالحها، والسعي إلى تحقيق المنافع وفتح آفاق متعددة أمام ليبيا في مختلف المجالات. غير أن مسار عمل الوزارة انحرف بشكل واضح، فتحولت تدريجيًا إلى جهة تُعنى بالعلاقات الشخصية أكثر من اهتمامها بالمهام الدبلوماسية الجوهرية، وانحصرت أنشطتها في تقديم خدمات فنية وإصدار تذاكر السفر والجوازات الدبلوماسية التي باتت متاحة على نطاق واسع، خاصة لفئات التجار وأعضاء الكتائب ومرافقي المسؤولين.
وأصبحت ميزة الترضيات من أهم أهداف عمل الوزارة لبلورة توجه الحكومة وذلك من خلال تعيين وتمكين أشخاص ليسوا من كادر الوزارة للعمل في مقار السفارات بالخارج، سواء بصفة سفراء أو قائمين بالأعمال أو موظفين بجميع مسمياتهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر تعيين وتمكين أشخاص من تولي مناصب سياسية رفيعة للعمل بمقار السفارات على وظيفية سفير وهم ليسوا من قطاع الوزارة، وبالنظر إلى أن كل دول العالم تلجأ إلى هذا العرف وتقوم بتعيين أشخاص في مناصب السفراء، لكن يكون ذلك بنسبة صغيرة لا تتجاوز %30، أما في ليبيا فالنسبة تصل إلى %200، وللأسف معظم من يتم تعيينهم سفراء لم يسبق لهم العمل في هذا المجال لا من بعيد أو من قريب، وهم يمثلون إحدى أربع فئات: إما لهم علاقة مباشرة برئيس المجلس الرئاسي، والفئة الثانية من يقوم نائب رئيس المجلس الرئاسي على المنطقة الجنوبية بترشحيهم من مقربين له أو لهم تأثير ودعم من أعضاء البرلمان والفئة الثالثة من يقوم نائب رئيس المجلس الرئاسي للمنطقة الغربية بترشيحهم، أما الفئة الرابعة فهي من يقوم رئيس الوزراء بترشيحهم، ويتم التنسيق بينه وبين رئيس المجلس الرئاسي في ذلك وهم %90 من المقربين له أو من بني قبيلته و%10 من الآخرين ويتم تسميتهم بضغط من قادة التشكيلات العسكرية المسلحة.
أما على مستوى الموظفين العاملين بمقار السفارات فالأمر مختلف، فهذه المهمة موكلة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء شخصيًا وإلى مساعده السيد إبراهيم الدبيبة في السفارات من أقاربهم وقبيلتهم ومعارفهم ومن خلال تقديم الترضيات المبالغ فيها في ترضية قادة الميليشيات وأعضاء مجلس النواب ومجلس الدولة وغيرهم ممن لديهم مصالح مشتركة معهم، ودخل على الخط أيضًا ترضيات شخصية تمنح لبعض موظفي الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة دون أن يكون ذلك بترتيب مع جهاتهم الأصلية، بل بشكل شخصي، “كل واحد وشطارته، والملف اللي تحت إيده”، وبدلا من إيفاد موظفي وزارة الخارجية كما هو معتاد حسب مدد الإيفاد من خلال القائمة توقف العمل بهذه القوائم وتم تعطيل عمل لجنة شؤون الإيفاد بالوزارة التي نص عليها القانون أن يكون الموفد داعما مساعدا لعمل الوزارة والسفارة لا معول هدم، فالبعض منهم يتقاضى مرتبه الشهري ويأخذ كل مزاياه وهو يعيش في ليبيا ولا يذهب للسفارة إلا بعد ثلاثة أشهر لاستلام مرتبة فقط، وهذه النوعية هي الأكثر في السفارات الليبية من حيث العدد فيوجد آلاف من الموظفين الذين تم تعيينهم لترضيات معينة يتقاضون مرتباتهم وهو موجودون في الداخل، ولن يقف الأمر عند هذا الحد فبعد أن ينهوا فترة عملهم يقومون بتمديد فترة عملهم بالخارج لمدد تصل إلى السنتين في مخالفة واضحة لنصوص القانون إن كان القانون يعني لهم شيئا، وكذلك تفنن بعض السفراء في تعيين أقارب لهم للعمل بالسفارة بعقود محلية.
كل هذه المخالفات القانونية والإدارية جعلت موظفي وزارة الخارجية يصنفون بأنهم من الدرجة الثانية ولا يتم إيفاد أي أحد منهم إلا من له علاقات قوية مع الأذرع المكلفة من قبل إبراهيم الدبيبة شخصيًا، وفي ظل هذا الفساد المستشري قام المقربون من صانع القرار في الوزارة بتعيين أقارب لهم في السفارات وكما يقولون من الشارع إلى السفارة مباشرة.
وفي ظل غياب قيادة حكيمة لتسيير العمل والتهميش المتعمد الذي طال الشرفاء فيها وجعل من كوادرها المتعلمة والقادرة على صنع النجاح ومجابهة كافة التحديات والعقبات التي تواجهها البلاد تأخذ خطوة للخلف، لما طالها من تنكيل نفسي وحسي وإبعاد وإقصاء بطريقة ممنهجة، والدبلوماسيون الليبيون مشهود لهم بالكفاءة، ولديهم المقدرة والخبرة المهنية على مناطحة من يناظرهم من دبلوماسيي دول أخرى والتفوق على شخصيات سياسية إقليمية ودولية، وأثبتوا جدارتهم في سنوات مضت في ذلك في جميع القارات، ومن أجل إحكام القبضة تم العمل على تكليف أشخاص من خارج الوزارة لتولي مناصب حساسة.
فساد مالي يتكرر.. ومراقبون ماليون يعبثون بالمال العام دون رادع
على مدى السنوات الماضية، فتحت النيابة العامة ملفات عدة داخل البعثات الليبية، وقد تكشّفت خلالها ممارسات مالية تجاوزت كل حدود القانون. فقد تم حبس عدد من المراقبين الماليين بعد ثبوت تورطهم في تحويلات مالية دون مستندات، وسحب أموال تُقدّر بملايين الدينارات دون أي غطاء إداري.
ومن بين أكثر القضايا صدمة، قضية المراقب المالي في سفارة ليبيا بمصر، الذي ثبت أنه تصرف في ملايين الجنيهات دون سند، كما ثبت أنه كان يشغل -في العام نفسه- منصب المراقب المالي لثلاث سفارات وقنصلية. هذا التجميع المخالف للقانون لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة نفوذ سياسي ولوجستي دعمه قادة ميليشيات تدخلوا لصالحه، في محاولة لإغلاق التحقيقات.
وفي تونس، بلغ عدد موظفي السفارة 166 موظفًا، وهو رقم لا يمكن تبريره إلا بالمحاباة التي تضاعف أعداد الموظفين بهدف شراء الولاءات. وقد تصدّر المراقب المالي السابق هناك فضيحة تحويل 20 مليون دينار دون فواتير، ما كشف عن شبكة فساد مالي لها امتدادات داخل ليبيا وخارجها.
هذه القضايا لا تمثل حالات فردية، بل هي انعكاس لانهيار منظومة الرقابة داخل وزارة الخارجية، التي أصبحت -بحكم الزمن- بيئة خصبة للعبث المالي، دون أن يطال أي مسؤول حقيقي مساءلة إلا بعد سنوات من التراكم.
اختطاف هوية السفراء.. عندما يصبح المنصب مكافأة
أخطر ما أصاب السلك الدبلوماسي هو انهيار معايير اختيار السفراء. ففي دول العالم، يكون السفير ممثلًا لبلده، يحمل هويتها الوطنية، ويعبر عن سيادتها. أما في ليبيا، فقد أصبح المنصب يُمنح بقاعدة “من تعرف”، لا “ماذا تعرف”.
فقد بقي وليد أبوعبدالله، وهو من أصول فلسطينية ويحمل جواز سفر ليبيًّا دون جنسية ليبية أصلية، سفيرًا لليبيا في إسبانيا منذ عام 2011. استمرار تعيينه لأكثر من 13 سنة دون تقييم أو تدوير يعكس واحدة من أقبح صور الجمود الوظيفي، حيث يتحول المنصب إلى ملكية خاصة، لا إلى وظيفة عامة.
ثم جاءت القائمة التي اعتمدها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في 21 نوفمبر سنة…….، لتؤكد أن الخارجية أصبح يُعاد تشكيلها وفق الولاءات السياسية. فالقائمة ضمت أسماء مثل:
زياد دغيم رجل الصفقات والفساد وعضو مجلس النواب ومستشار الرئيس سفيرا في هولندا.
• عبدالمنعم بالكور – نائب برلماني وعضو اللجنة المالية – سفيرًا في الصين.
•أسامة أبو كرازة – عضو المجلس الانتقالي السابق – سفيرًا في الهند.
•ناصر جبريل – مدير مكتب المنفي – سفيرًا في كوريا الجنوبية.
•سناء المنصوري – نقلت من اليابان لتشغل منصب سفير إلى المكسيك رغم الجدل حول مؤهلاتها وظهورها مع شخصيات يهودية بارزة مثل “لوزين” ولا تخفى علاقتها بالكيان الصهيوني من خلال نشر صورها على حسابها الشخصي على الفيسبوك.
بينما تم استبعاد سفارة اليونان بالكامل لأنها تدار بشكل مباشر وغير رسمي من مكتب المنفي.
المناصب الدبلوماسية تتحول إلى ميراث عائلي
لم تتوقف المحسوبية عند حدود النفوذ السياسي، بل امتدت إلى القرابة العائلية. ففي سلطنة عمان تم ترقية ابنة شقيقة النائب سالم قنان من موظفة طباعة إلى رئيسة بعثة دبلوماسية. القرار لم يكن سوى مكافأة صريحة، دفعت السفيرة السابقة إلى رفع دعوى قضائية لا تزال منظورة.
وفي الدنمارك جرى تعيين بن شقيقة الدبيبة سالم امديقش سفيراً لليبيا رغم أنه لا يحمل مؤهل علمي.
من “تيكي مكس” إلى سفارة سوريا.. كاريكاتور دبلوماسي
ومن المشاهد الأكثر إثارة للسخرية في تاريخ التعيينات الدبلوماسية الليبية تعيين وليد عمار، صاحب محلات “تيكي مكس”، سفيرًا لليبيا في سوريا. الرجل الذي لم يمارس عملًا سياسيًا أو دبلوماسيًا يومًا، أصبح فجأة ممثلًا لدولة في واحدة من أعقد الملفات الإقليمية. علاقاته بقيادات إخوانية في بريطانيا كانت جواز عبوره، في مثال فاضح على سقوط المعايير.
الملحقون الثقافيون.. مناصب بلا وظيفة، ورواتب بلا إنتاج
وإذا كانت التعيينات السياسية والقبلية تشكل فضيحة، فإن ملف الملحقين الثقافيين يشكل فضيحة مضاعفة، فأغلب الملحقين الثقافيين لم يتلقوا من التعليم إلا فك الخط، أما الثقافة فليست في قواميسهم.
فهؤلاء الذين يفترض أن يمثلوا ليبيا ثقافيًا، يتحول معظمهم إلى ظل بلا أثر. رغم أنهم يحملون شهادات عليا ومؤهلات أكاديمية، إلا أنهم -في أغلب السفارات- لا يقدمون أي نشاط ثقافي يُذكر. لا أمسيات، لا تعاون جامعي، لا برامج تبادل، لا معارض كتب، ولا حتى منشورات تعريفية بليبيا.
وجودهم مرتبط بالمرتبات والامتيازات، لا بالوظيفة الحقيقية. بعضهم جاء من خارج قطاع الثقافة، وبعضهم لم يدخل وزارة الثقافة يومًا، ومع ذلك يُمنح منصبًا حساسًا من المفترض أن يكون بوابة ليبيا الناعمة إلى العالم، وكثير منهم يمارس عمله من طرابلس ويذهب إلى السفارة للقبض. وفي الكثير من العواصم، يسأل المثقفون والدبلوماسيون العرب عن ليبيا: أين هي فعالياتكم؟ أين هي كتبكم؟ أين دوركم؟
ولا أحد يجيب.. لأن الملحق الثقافي -في معظم الأحيان- لا يملك إجابة.
نزيف مالي مرعب.. سفارات بلا ليبيين وميزانيات بلا ضوابط
الصدمة الأكبر تتضح عند النظر إلى نفقات وزارة الخارجية. فقد بلغ حجم الإنفاق الإجمالي لوزارة الخارجية حسب بيانات مصرف ليبيا المركزي
2011 850 مليون
20121110 مليون
20131300 مليون
20141200
2015950
2016950
20171050
20181010
20191200
20201050
20211300
20221400
20231500
20241550
الإنفاق على السفارات والبعثات بالخارج (مليار دينار) حسب تقارير ديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي
2011550 مليون د.ل
2012 720
2013800
2014700
2015550
2016600
2017650
2018680
2019720
2020620
2021780
2022840
2023900
2024.930
وزارة تدار من الخارج لا من ليبيا
تؤكد مصادر داخل الوزارة أن القرارات الحقيقية لا تُصنع داخل ديوان الوزارة أو إداراتها، بل داخل مكاتب رئيس الوزراء ومحيطه، خصوصًا مكتب إبراهيم الدبيبة، إضافة إلى نفوذ أحزاب وشخصيات عسكرية.
حتى المناصب السيادية يتم منحها بعبارة: “هذا المنصب مكافأة فلان”، أو “هذا الموقع مقابل الولاء”، أو “هذا المنصب ثمن التحالف”.
وبينما تتآكل الخبرات الحقيقية داخل الوزارة، ويتراجع دور الدبلوماسيين المهنيين، تترسخ سلطة الواسطة والقرابة، ويصبح السلك الدبلوماسي محكومًا بمنطق الغنيمة، لا بمنطق الدولة.
الخلاصة.. حين تُختطف الخارجية، تُختطف الدولة
إن ما يشهده السلك الدبلوماسي الليبي اليوم ليس مجرد مجموعة أخطاء إدارية، بل هو تفكك بنيوي يهدد وجود الدولة نفسها.
فالدبلوماسية ليست رفاهية، بل هي خطوط الدفاع الأولى عن الوطن.
وحين تتحول هذه الخطوط إلى مقاعد موزعة على أساس القرابة، وحين يصبح السفير ممثل أسرته لا ممثل وطنه، وحين تصبح البعثة مكتبًا للتجارة لا مكتبًا للدولة، تنهار السيادة، وتنهار معها هيبة ليبيا في الخارج.
.
