مقالات الرأي

قراءة في مستقبل الاستثمارات الليبية بالخارج بعد عقد من التدهور

بقلم/ عثمان الدعيكي

التحولات التي شهدتها ليبيا منذ عام 2011 أثّرت -بشكل مباشر- على وضعها الاقتصادي، ولم تقتصر تداعيات الأزمة على النشاط الداخلي فقط، بل طالت -بصورة واضحة- أصولها واستثماراتها الخارجية التي كانت تمثل أحد أهم عناصر القوة المالية للدولة.

فقد كانت ليبيا، خلال العقد الذي سبق الأحداث، من الدول القليلة التي استطاعت الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط لبناء احتياطيات مالية واستثمارات متنوعة عبر المؤسسة الليبية للاستثمار وشركات عامة أخرى، حيث تجاوزت قيمة الأصول قبل 2011 70 مليار دولار وفق تقارير الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، تشمل محافظ مالية وسندات واستثمارات مباشرة وعقارات في عدة مناطق حول العالم.

غير أنّ هذه الأصول، التي كانت تُعدّ رصيدًا استراتيجيًا للأجيال القادمة، دخلت بعد 2011 في حالة من الجمود والتآكل التدريجي. فقد أدى قرار تجميد الأموال الليبية في الخارج، الذي ترك نحو 67 مليار دولار تحت القيود القانونية الدولية، إلى منع إعادة هيكلة المحافظ أو تحسين إدارتها. ومع استمرار الانقسام السياسي والضعف المؤسسي، تراجعت قيمة بعض الأصول المالية، خاصة السندات طويلة الأجل، كما خسر الاقتصاد الليبي عوائد تراكمية كان يمكن أن تضخ مليارات الدولارات في الخزينة لو كانت هذه الأموال تُدار بشكل فعّال.

وتشير تقديرات دولية إلى أن الخسائر في القيمة والعوائد خلال العقد الماضي قد تتراوح بين 15-20 مليار دولار، وهي خسائر ناتجة ليس فقط عن التجميد، بل أيضًا عن الفساد الحكومي وتعطل الإدارة وعدم القدرة على اتخاذ قرارات استثمارية في الوقت المناسب.

ولم تكن الاستثمارات العقارية الليبية في الخارج أفضل حالًا من الناحية التشغيلية أو السوقية. فقد امتلكت الشركات الليبية عدة فنادق ومجمعات سياحية وأصولًا عقارية في أوروبا وأفريقيا، كانت قيمتها قبل الأحداث تقارب 10 مليارات دولار. إلا أنّ الاضطراب السياسي وضعف المتابعة القانونية والإدارية بعد 2011 سمحا بتدهور حال عدد من هذه الاستثمارات، سواء بسبب النزاعات القضائية أم التدخلات الحكومية في بعض الدول الأفريقية أم نتيجة التراجع الطبيعي في قيم الأصول التي لم تَحظَ بصيانة أو تطوير. وتشير تقارير اقتصادية إلى أنّ هذه الاستثمارات فقدت ما بين 30 و40 % من قيمتها أو عوائدها السنوية، وهو ما يمثل استنزافًا إضافيًا للرصيد الخارجي للدولة.

وإلى جانب ما فقدته ليبيا بالفعل من أصول قائمة، فإن ما ضاع من الفرص الاستثمارية خلال السنوات الماضية يبدو أكثر خطورة على المدى الطويل. فقد حققت الدولة إيرادات نفطية تتراوح بين 350 و390 مليار دولار خلال الفترة من 2012 إلى 2024، إلا أنّ معظم هذه الأموال لم يُستثمر في تعزيز القوة المالية الخارجية، بل ذهب إلى الإنفاق الجاري والدعم والرواتب والصفقات المشبوهة، في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة.

حيث أدى تفشي الفساد والهدر وسوء التخطيط إلى إضعاف قدرة الدولة على تحويل الفوائض النفطية إلى أصول إنتاجية أو مالية، وهو ما كان من شأنه أن يعزز الاستقرار الاقتصادي ويقلل اعتماد الدولة شبه الكامل على النفط. ولو تم تخصيص نسبة بسيطة لا تتجاوز 10 % من الإيرادات النفطية لزيادة أصول الصندوق السيادي أو لإنشاء محافظ استثمارية جديدة، لكان من الممكن إضافة مليارات الدولارات إلى الاستثمارات الخارجية، بما يضمن عوائد سنوية ثابتة تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار، وهو مستوى من الدخل كان ليشكل سندًا مهمًا للاقتصاد الليبي خلال سنوات الهبوط المالي.

ورغم هذا المشهد المعقد من الخسائر المباشرة والفرص الضائعة، فإن إمكانية التصحيح لا تزال قائمة وإن كانت مشروطة ببيئة سياسية مستقرة وإصلاحات مالية جادة. فالتقارير الدولية، وعلى رأسها تقييمات صندوق النقد الدولي للعام 2023، تشير إلى قدرة ليبيا على إعادة بناء احتياطياتها إلى أكثر من مئة وعشرين مليار دولار بحلول 2030 إذا جرى إصلاح منظومة الحوكمة وتوحيد إدارة الأصول الخارجية واعتماد سياسات إنفاق رشيدة.

كما أن إعادة التفاوض حول الأصول المجمدة ورفع التجميد بشكل تدريجي- بشرط ان تقوم به حكومة وطنية بامتياز لا حكومات المحاصصة والجهوية- ذلك قد يفتح الباب أمام استرجاع جزء من القيمة المفقودة وإعادة تشغيل الاستثمارات بما يحقق عوائد ملموسة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تعويض ما ضاع خلال السنوات الماضية، بل في بناء نموذج اقتصادي قادر على مقاومة التقلبات السياسية والمالية. فاسترجاع الثقة في مؤسسات الدولة، وإرساء قواعد شفافة لإدارة الثروة، وضمان استقلال القرار الاقتصادي عن التجاذبات السياسية، كلها عوامل أساسية لضمان ألا تتكرر التجربة ذاتها مستقبلًا.

وبينما لا تزال الطريق نحو التعافي طويلة، فإن وجود إرادة إصلاحية قادرة على إدارة الثروة بمهنية وكفاءة يمكن أن يضع ليبيا على مسار جديد يعيد إليها مكانتها الاقتصادية التي فقدتها تدريجيًا منذ 2011.

زر الذهاب إلى الأعلى