مقالات الرأي

حتحات على ما فات..

بقلم/ محمد بوخروبة

في ذاكرة الوطن كلمات تبقى خالدة، تقاوم الزمن وتعلو على الجراح، لأنها ولدت من رحم المعاناة، ونطقت بلسان الصدق والحرص على وحدة البلاد، ومن بين تلك الكلمات التي نقشت في ضمير التاريخ الليبي، تبرز العبارة الخالدة:

“حتحات على ما فات”.

قالها مستشار من حكماء قبيلة الدرسة الشيخ بوبكر بالذان، في زمن كانت فيه ليبيا تئن تحت وطأة الاحتلال الإيطالي، وتعاني من ثارات وصراعات مزقت النسيج الاجتماعي، فرددها الملك إدريس السنوسي رحمه الله، وأضفى عليها من حكمته وحنكته بعدها الوطني العميق، لتتحول من قول قبلي إلى مبدأ دولة، ومن مصالحة بين أبناء منطقة إلى ميثاق وطني جامع.

لم تكن تلك الجملة مجرد دعوة للعفو عن ماض مضى، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن الوطن لا يقوم على الثأر، بل على التسامح، وأن ليبيا وهي تخرج من ظلمات الاستعمار بحاجة إلى قلوب نقية تؤمن بأن الغد أجمل إن تجاوزنا ما كان بالأمس.

فقد أدرك الملك إدريس السنوسي، بحكمته الهادئة وبصيرته العميقة، أن البناء لا يبدأ من تصفية الحسابات، بل من تجاوزها. فوحد القبائل، وجمع الأقاليم الثلاثة برقة وطرابلس وفزان، تحت راية واحدة، وأعلن قيام المملكة الليبية المتحدة على أسس العدالة والمصالحة والاحترام المتبادل.

كانت “حتحات على ما فات” في تلك المرحلة جسرًا عبرت عليه ليبيا من زمن الشتات إلى زمن الدولة، ومن زمن الانقسام إلى زمن الوحدة، وفي ظلالها ولد الاستقلال، وتأسست مؤسسات الدولة الليبية الحديثة، وتحققت اللحمة الوطنية التي ظلت نموذجًا يحتذى في محيط عربي كان لا يزال يعيش صراعات التشرذم والاستعمار.

ومع مرور العقود، جاء الزعيم الراحل معمر القذافي، ليجد في المقولة ذاتها جوهرًا يعبر عن مشروعه الوحدوي، وإن اختلفت الرؤى وتباينت الأساليب، فقد حمل الرجل فكرة الوحدة الوطنية والقومية في أعماقه، مؤمنًا بأن ليبيا لا مكان فيها للانقسام أو التفرقة، وأنها قلب الأمة الذي لا يجوز أن يشق نصفين.

فقد دعا القذافي في أكثر من مناسبة إلى تجاوز الخلافات، وإلى نسيان ما كان من صراعات داخلية أو مناطقية، مرددًا بروحه الثائرة ما قاله الأجداد في زمن الصلح دعونا نطوِ الماضي، ونعمل للمستقبل.

وفي جوهر فلسفته السياسية، كانت “حتحات على ما فات” حاضرة بمعناها لا بلفظها، حين جعل شعار الثورة هو تحرير الإنسان من الحقد، وإقامة مجتمع لا قبيلة فيه تغلب على أخرى، بل قبائل تتآخى في ظل الوطن الواحد.

وقد يسجل التاريخ اختلاف الآراء حول أساليب الحكم والسياسة، ولكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن الزعيم معمر القذافي سعى إلى حماية الوحدة الليبية، ودعم الهوية الجامعة، وأدرك أن بقاء الوطن مرهون بتماسكه الاجتماعي، وأن أي انقسام داخلي هو خطر على سيادته واستقراره.

وهكذا، استمر المعنى الكامن في “حتحات على ما فات” حاضرًا وإن تبدلت الأزمنة، كروح تسري في جسد الأمة، تدعوها إلى أن تتسامح حين تشتد المحن، وأن تتماسك حين تتكاثر التحديات.

ثم جاءت السنوات العصيبة من تاريخ ليبيا المعاصر، لتعيدنا إلى ذات السؤال الذي واجهه الأجداد قبل عقود، كيف نعيد للوطن لحمته بعد أن فرقته الأحداث؟ وكيف نطبق اليوم ما أدركه الأوائل حين قالوا “حتحات على ما فات”.

في هذا المنعطف الدقيق، برزت القوات المسلحة العربية الليبية وقيادتها كصوت للعقل والحكمة، وكقوة وطنية تتجاوز الانتماءات الضيقة لتجمع حولها أبناء الوطن بمختلف مناطقهم وقبائلهم، لم يكن دورها مقتصرًا على حمل السلاح أو حماية الحدود، بل كانت وما زالت حاملة لمشروع وطني جامع، يعيد للدولة هيبتها وللشعب ثقته، ويرسخ مبدأ أن الجيش ليس طرفًا في الخلاف، بل هو الضامن لوحدة التراب، والحارس لأمن المواطنين جميعًا دون استثناء.

لقد استطاعت القوات المسلحة بقيادتها الحكيمة أن تعيد ترتيب الأولويات، فجعلت أمن الوطن ووحدته فوق كل اعتبار، وسعت إلى تضميد الجراح الاجتماعية، فدعمت المصالحات بين القبائل والمناطق، واحتضنت أبناء ليبيا كافة تحت مظلة الوطن الواحد،

في كل منطقةٍ استتب فيها الأمن بفضلها، ولدت روح جديدة، روح تقول في صمتها “حتحات على ما فات”، ولنبدأ من جديد.. فما تقوم به المؤسسة العسكرية اليوم لا يختلف في جوهره عما فعله الملك إدريس بالأمس حين جمع الشتات، ولا عما دعا إليه القذافي حين رفع شعار الوحدة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من المحاولات الصادقة لردم الفجوة وبناء الوطن.

إن “حتحات على ما فات” اليوم ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل هي واجب الساعة، إنها نداءٌ إلى كل ليبي غيور على بلده، أن يترفع عن الخصومات، وأن يمد يده لأخيه في الوطن، لأن الدم الليبي أغلى من الخلاف، والمستقبل أسمى من الأهواء، والوطن لا يحتمل مزيدًا من النزيف، ولعل في مسيرة القوات المسلحة اليوم ما يجسد هذه الحكمة عمليًا، فهي لا تقاتل لتغلب طرفًا على آخر، بل لتعيد للوطن توازنه، وللمجتمع أمنه، وللإنسان الليبي حقه في العيش الكريم تحت راية دولة قويةٍ موحدة.

إنها تسير على نهج الأجداد الذين قالوا “حتحات على ما فات” ليؤسسوا دولة الاستقلال، وعلى خطى الزعماء الذين أرادوا أن تبقى ليبيا واحدة رغم العواصف، لتقول اليوم بصوت أكثر رسوخًا لا شرق ولا غرب، لا جنوب ولا شمال ليبيا واحدة لا تتجزأ.

وهكذا، تتوارث الأجيال جوهر تلك المقولة المباركة، جيلًا بعد جيل، لتبقى “حتحات على ما فات” ليست فقط كلمات تقال في مناسبات الصلح، بل منهج حياة لبناء الدولة.

ففي كل مرة تصفو فيها النيات، ويجلس الليبيون على مائدة الوطن دون وساوس الحقد، فإنهم يكتبون فصلًا جديدًا من تاريخ هذه العبارة العظيمة، ويثبتون للعالم أن ليبيا مهما اختلف أبناؤها، فإنها لا تنكسر، لأنها خلقت من معدن العفو والإباء.

زر الذهاب إلى الأعلى