مقالات الرأي

الصحة وعي وثقافة واستعداد

بقلم/ علي المبروك أبو قرين

عانى مجتمعنا طويلًا من ثلاثية الفقر والجهل والمرض، ودفع أثمانا قاسية من حياة أبنائه وأحلام أجياله، ومع فجر الاستقلال وقيام الدولة وظهور النفط، تبدلت الموازين، وارتفعت فرص التعليم والتدريب، وتحسنت الأوضاع المعيشية. ورغم ما شاب مسيرة التنمية من عثرات وتحديات، فقد تحققت نقلة نوعية من العدم إلى الوجود، ومن البدايات البسيطة إلى إنجازات كبيرة ماثلة في مختلف الميادين، لكن مع بدايات القرن الحادي والعشرين، تسارعت عجلة التطور العلمي والتقني والتكنولوجي بوتيرة تفوق قدراتنا الاقتصادية والإدارية والبشرية، وأصبح للتطورات أثمان باهظة يدفعها المجتمع من جهده وماله ووقته، بينما تتسع الفجوات بين الواقع والمأمول، وبيننا وبين الأمم التي سبقتنا علما وتنظيما وتخطيطا، وغيرت الأنماط الحياتية الحديثة، والتبدلات الحضارية، والتحولات البيئية والمناخية، والانفتاح الاقتصادي والعولمة، شكل الحياة وسرعتها وأحلامها، ومع هذه السرعة، ازداد العبء الصحي، وتكاثرت الأمراض المزمنة والمعدية، وتعاظمت الأوبئة والكوارث والتحديات الصحية.

وفي المقابل تطورت التكنولوجيا الطبية، وتنوعت أساليب الوقاية والتشخيص والعلاج، غير أن جوهر التحدي لم يتغير، والسؤال كيف نواكب هذه الحياة المتسارعة ونحمي أنفسنا منها؟، الجواب يكمن في العلم والمعرفة والتوعية والثقافة الصحية والاستعداد، فلا يمكن لأي مجتمع أن يواجه تعقيدات العصر إلا بالتسلح بالوعي والاستعداد الدائم لمجابهة التحديات الصحية والبيئية والإنسانية، ويتطلب ذلك بنية تحتية متكاملة، ونُظم معيشة صحية، وتعليما طبيا متقدما، وأبحاثا علمية رصينة تضع المجتمع والدولة في موقع الاستباق والاستشراف.

ولأن الوعي هو الأساس، فإن الثقافة الصحية لا تقتصر على معرفة مفهوم الصحة فحسب، بل تشمل الإيمان بها والقناعة بأهميتها، والعمل الدؤوب على ترسيخها وتطويرها، والوعي بمفاهيم الصحة هو وعي بالحياة نفسها، والجهل بها جهل بالحياة وسُبل بقائها، ويجب أن يمتد هذا الوعي إلى فهم طبيعة الأمراض وأسبابها وطرق انتشارها وأساليب الوقاية منها ومكافحتها وعلاجها، وإلى إدراك ماهية الأوبئة وأنواعها ومسبباتها ووسائل انتقالها وكيفية الوقاية منها قبل استفحالها، حينها يصبح الاستعداد الصحي سلوكا متأصلًا في الفرد والمجتمع، ويصبح الناس جميعا قادرين على المساهمة في مكافحة الأمراض والتخفيف من آثارها، فيتناغم استعداد المجتمع مع استعداد القطاع الصحي في مواجهة أي تهديد أو تحد للنظام الصحي، ويكتمل هذا المفهوم حين يتسع الوعي ليشمل صحة المجتمع، وصحة البيئة، وصحة الحيوان، في وحدة متكاملة تُجسد مفهوم الصحة الواحدة التي لا تنفصل فيها حياة الإنسان عن بيئته ومحيطه الطبيعي، ولأن الوعي والثقافة والاستعداد هي ركائز الصحة الحقيقية، فإن بفضلها يمكن تجنب كثير من الأمراض، وتعزيز المناعة الذاتية، وتحقيق الاكتشاف المبكر للعلل، ما يجعل العلاج أسرع وأسهل وأقل كلفة.

إنّ الوعي والثقافة الصحية هما الميدان الرحب الذي تتحقق فيه الحياة الأفضل، والأكثر صحة وعافية ورفاها، فبهما يكون الإنسان طبيب نفسه وبيئته ومجتمعه، ولهذا ينبغي أن تحظى التوعية الصحية المجتمعية بأوسع مساحة في الإعلام والمنصات الرقمية ومجالات الثقافة العامة، لتصبح الثقافة الصحية الأرضية التي تنهض عليها كل الثقافات، والغطاء الذي يظلل كل مناشط الحياة، أما الاستعداد فهو ثمرة التربية والعلم والتدريب، يبدأ من الفرد، وينمو في المجتمع، ويترسخ في مؤسسات الدولة، ليكون في مجملِه درعا واقيا يحمي الإنسان والأمة من الأخطار الصحية والبيئية والإنسانية، ومع إيقاع الحياة المتسارع، وتزايد التحديات والتهديدات الصحية، لا يمكن مجابهتها إلا عبر نظام صحي وطني قوي وموحد وفعال ومنصف، قادر على حماية الإنسان في كل مراحل حياته، نظام يرتكز على تعليم طبي متقدم وتدريب سريري راق وحقيقي، وينقل كل معاني الحداثة والكفاءة والجودة والتميز إلى الممارسة اليومية، فبذلك فقط يمكن تضييق الفجوات الحضارية والعلمية بيننا وبين الدول القليلة المتقدمة، واستعادة مكانتنا في سباق الإنسانية نحو صحة أفضل، وحياة أكرم، ومستقبل أرقى، وتنمية حقيقية مستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى