مقالات الرأي

الجولاني وممداني والباب الأمامي

بقلم/ محمد جبريل العرفي

في خضمّ التحوّلات الإقليمية المتسارعة، تتكاثر المشاريع التي تنسجها قوى دولية وإقليمية لإعادة تشكيل المشهد السوري، بما يخدم خرائط نفوذ جديدة لا مكان فيها لإرادة الشعوب. وما كان يُدار في الخفاء، بات اليوم يطلّ في العلن، كاشفًا حجم التلاعب بمصائر السوريين، ومحاولات إعادة تدوير الوجوه والوكلاء لخدمة أجندات خارجية.

وفي هذا السياق تبرز قصة الجولاني، الذي لم يكن ـ وفق ما يتداوله مطّلعون ـ سوى جزء من مشروع صهيوني يشبه تجربة إيلي كوهين في ستينيات القرن الماضي. فالرجل أُعدّ، منذ عام 2005، ليكون بديلاً في حال فشل مشروع تمكين الإخوان في سوريا. اختفى عن الأنظار كما تختفي اليوم “نسخ الجولاني عندنا” ، ثم أعيد تسويقه عبر رأس تنظيمٍ إرهابي، ليُكلّف بتنفيذ أجندة المشروع الصهيوني: الانخراط في “الإبراهيمية”، نزع سلاح الجنوب السوري، التنازل عن الجولان والشريط الحدودي، وضع العاصمة تحت الوصاية، صوملة البلاد، وإخراج روسيا وإيران، وتهييج جبهات لبنان، بما يُجدّد الصراع وينذر بحرب أهلية طائفية في الهلال الخصيب.

ولأن أجهزة المخابرات دفعت باتجاهه، اضطر ترامب لاستقبال الجولاني، لكن من باب “الخدم” في البيت الأبيض؛ أُجلس كالتلميذ، والمخابرات التي تعرف حقيقته كانت تتحسّب لليوم الذي ينكشف فيه دوره. ولذلك سيقولون لاحقًا: “لم نستقبله كرئيس، بل كهواة كرة سلة بربطة عنق!” فيما اتهم الكونغرس وناخبون ترامب بأنه قدّم مكافأة لإرهابي دون مساءلة كافية.

ومن هذه النقطة، يتقاطع المشهد السوري مع مشهد آخر أشعلته غزة، إذ أعادت إيقاظ ضمائر الشعوب، وظهرت ظاهرة سياسية جديدة في الغرب، أبرز نماذجها كوامي ممداني…  قال ممداني علنًا:

“أنا مسلم، وأنا متبنٍّ للقضية الفلسطينية، وأنا مع غزة، وقد سمّاني والدي على اسم الزعيم الإفريقي كوامي نيكروما” ، كان هذا الموقف ضربة مباشرة للوبي الصهيوني ولخطاب ترامب العنصري. فممداني أدرك أن مستقبل القيادة السياسية في أمريكا لم يعد يُصنع عبر دعم الكيان، بل عبر المجاهرة بنقده، وأن القوة تنتقل من مؤسسات الضغط التقليدية مثل “إيباك” إلى جيلٍ متعولم أسقط خصومه واحدًا تلو الآخر. بل إن هذا التحول قد يطيح بترامب نفسه إذا انفجرت ملفات “إبستين”، التي تهدد كثيرًا من الشخصيات العامة، بينها شخصيات عربية مرتبطة بمشاريع تصفية القضية الفلسطينية.

يُبغض ممداني الظلم الذي تمارسه الأقلية الثرية على الأغلبية المسحوقة. فهو اشتراكي يسعى لتحرير الحاجات الأساسية، ويقول: “لم يعد ممكنًا أن تكون ثريًّا على حساب الأغلبية. إنه عصر الفقراء، لاعصر الأثرياء.”

ويبقى السؤال: هل ستستوعب أنظمتنا الدرس؟ هل ستنحاز لشعوبها، وتنبذ الجواسيس، وتوقف تمويل الاقتتال العربي؟ أم سيجرفها تيارُ شباب الألفينيات المنتفضين عالميًا؟ فإن لم تفعل، فلن تجد حصنًا يحميها، مهما تملّقت للصهاينة وداعميهم.

زر الذهاب إلى الأعلى