مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 17

بقلم/ مهدي امبيرش 

أرى من الأهمية بمكان، نؤكد في كل مرة، أن هذه المداخلات وغيرها إنما نريد من خلالها أن نكشف عن جذور المشكلة التي كانت ولا تزال تلد عديد المشكلات والإشكاليات، أي أنها في الأساس مشكلة الإنسان الذي كرمه خالقه بأن خلقه وسواه في أحسن صورة ركبه ونفخ فيه من روحه، ولكنه، لأنه كفور جهول وأنه أكثر شيء جدلًا وأنه عجول يرد أسفل سافلين، لذا قد يكون الذين تابعوا هذه المداخلات، سواءً مقارباتنا في علم الإنسان بعامة أم علم الإنسان العربي، يدرك لماذا كانت كل هذه المداخلات، التي قصدنا بها محاولة تقديم تعريف للإنسان من خلال قصة خلقه في أطوار يتفوق كل طور عمّا قبل دون أن يلغيه، بدءًا من الطور المادي الفيزيائي، إلى الطور الحيواني، ثم طور الروح التي صار بها إنسانًا، وبذلك نكون قد فرقنا بين مفهوم الأطوار ودعاوى التطوريين، من أمثال (لامارك) و(دارون) اللذين كانا يحاولان تبرير فقد الأساس التاريخي للأنغلوسكسون، كما أن التفوق الخِلقي والخُلقي معًا يرفض أطروحة التفوقية في المثالية الألمانية والجدل التركيبي التفوقي الذي كان هيغل مثلًا  بوصول إلى الـ( synthesis) أو ما بعد الـ( thesis) والـ( antithesis)، التي يجعل فيها التاريخ القبلي والمركب من خلال اللوغوس الوسيط أطروحة لتبرير النزعة التاريخانية التفوقية للألمان، ولكنه لا يجرؤ أن يجعل من المركب الـ(synthesis) إلى (thesis) ليستمر الجدل المزعوم التركيبي ويعطي شرعية لاستمرار حركة التاريخ.

بداهةً، إن هذه النزعة التركيبية، سوف تؤدي إلى رد فعل يهودي عبراني من خلال تقانة التفكيك بدعوى العودة إلى البداية اليهودية الذي هو أسلوب التأويل من فيلون اليهودي الذي عاش في الإسكندرية إلى العصر الماركسي والتحليل الفيوردي والتفكيك الدوريدي، والتوليدية لنعوم تشومسكي والتنظيرات التي نقرؤها اليوم بالبحث عن المسكوت عنه أو الذي لم يقل، وهو الذي بنى عليه فيلون والتأويليون جميعا أن اللغة التي نسمعها أو نقرؤها غير كافية لإظهار المعنى، وهو الذي حدا باليهودي إدموند هوسرل إلى أطروحته في الظاهريّة (phenomenology)، وبداهة سوف يعارضها هيغل والمثاليون الألمان في الحديث عن فينومينولوجيا الروح.

هذه المقدمة هي التي بررت لنا القول بإمكانية الكشف عن أسس لمدرسة متميزة تقوم على اللسان العربي الذي يتمظهر من خلاله منهج التفكير العربي، والذي تكون العملية البيانية أو التعبير بتنوع وسائله مقاربة لإعادة قراءة هذا المنهج وإعادة الاعتبار لعلاقة اللغة باللسان والقواعد بالنحو، وإرجاع ما وصف بالبلاغة العربية إلى عملية البيان، وكذلك إعادة دراسة الرمز الخطي والإشارات والعلامات ضمن قراءة جديدة في منهج التفكير البياني كما الربط بين أطوار خلق الإنسان وأطوار العملية البيانية التي جعلت اللسان العربي مظهرًا للإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ليكون اللسان العربي البياني هو الآخر لسانًا غير ذي عوج، وأن يعاد الاعتبار من جديد للكلمة المبدعة الخلاقة التي ليست اللفظ المنطقي، ولتتم مقاربة بين العلاقة الخلوية في جسم اللفظ والحركة التي هي مظهر التنفس في علاقة عضوية تكون الروح هي التي تحكم منهج التفكير وتحركه، أي أنها روح مسؤولة مع مقاربة في قراءة البناء الخلوي، سواء في اللفظ أم الجملة بالجملة العصبية في الذهن، والتي قلنا إن عملية الإعراب لم تعد هذه الطريقة الوصفية التي درسنا بها وندرس التلاميذ والطلاب في كل المستويات التي قلنا إن الأسلوب الوصفي تحصيل الحاصل لا يقدم شيئًا جديدًا، وهو الذي أكده دون تمعن معلمو اللغة والقواعد الوصفيون عندما يعترفون أن الإعراب فرع المعنى دون أن يذهبوا أبعد من ذلك، أي أن يفكروا في كل العمليات التي تتم في الذهن بالاستعانة بكل الخبراء المختصين في العمليات الذهنية وعمليات التفكير، حيث ستتجلى من خلال ذلك عبقرية اللسان العربي باعتباره لسانًا إنسانيًّا يصلح من خلاله مناهج التفكير الأعجمية، أي أنه مشروع إنساني حضاري، يتجاوز هذه الأزمة التي كشفنا عن بدايات التنظير لها في المدرسة الإغريقيّة بعامة واليونانية على وجه الخصوص، ونقصد بالإغريقية كل الإغريق، حيث اليونانية ضمن الإغريقيّة، كما أن الخلاف الذي أشرنا إلى طرف منه بين الإغريق في آسيا الصغرى أو من يعرفون بالفلاسفة الطبيعيين منذ طاليس حتى أنباذوقليس والذين يعرفون بالسفسطائيين والإغريق في جنوب إيطاليا أي المدرسة الأيونية والمدرسة الايلية، الأيونية مدرسة الطبيعيين والايلية التي عليها سقراط وأفلاطون ثم المحاولة الوسطية التي قام بها الإغريقي الأيوني أرسطو، وبتوضيح أكثر فإن اليونانية هي فرع من الإغريقيّة ندخل فيها أثينا وإسبرطا ولاقديمونيا والمكونات الاجتماعية التابعة لها، في حين أن الطبيعيين في أسيا الصغرى ليسوا يونانيين، وإن كانوا إغريقا، مثلما أرسطو مفكر مقدوني إغريقي ولكنه ليس يونانيا، وهنا سنعيد قراءة ما يسمى توسعًا بالفلسفة اليونانية من خلال الربط بين هذه المكونات الثلاثة ومناهج التفكير المختلفة، أو حسب ما يعرف الدراسة الأنثروبولوجية التي يقرها الباحثون الأوروبيون اليوم، حتى إن كنا نقابلها بمشروع علم الإنسان الذي ليس الأنثروبولوجيا، وستكون مداخلاتنا القادمة تكملة للإشارات التي ذكرناها حول محاورات أفلاطون، خاصة محاورة كراتيلوس ومينون والسفسطائي وفيدون وفيداروس، وستكون المداخلة القادمة ضمن المدرسة اليونانية حول محاورة مينون.

زر الذهاب إلى الأعلى