مقالات الرأي

إعادة تدوير الإرهاب.. الجولاني تحت غطاء دولي

بقلم/ ناصر سعيد

لم يعد المشهد السوري خافيًا على أحد، فما يجري في الشمال السوري اليوم لا يمكن وصفه بتحوّل سياسي مشروع، بل هو عملية ممنهجة لإعادة تدوير الإرهاب بغطاء دولي، هدفها ضرب ما تبقى من الدولة الوطنية السورية وتحويلها إلى كيان تابع لإرادات الخارج، يعيش على فتات المساعدات وقرارات الغرف السوداء في العواصم الكبرى.

أحمد الشرع، المعروف بـ«أبو محمد الجولاني»، لم يكن يومًا شخصية عابرة في المشهد الجهادي، بل أحد أبرز رموز الفكر التكفيري المسلح، وقائدًا لتنظيمات ارتبطت مباشرة بتنظيمي القاعدة وداعش، وأسهمت في تفكيك النسيج الوطني السوري عبر حربٍ أهلية مدمّرة غذّتها أجهزة استخبارات دولية وإقليمية.

اليوم، وبعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، يُقدَّم الجولاني للعالم في ثوب «رجل دولة» و«قائد المرحلة الجديدة»، يرتدي البذلة الرسمية بدلًا من الزي الأفغاني، ويجلس أمام عدسات الصحافة الغربية ليروي «تحوّله البراغماتي»، تُفتح له الشاشات وصفحات المجلات بوصفه نموذجًا لما يسمّى «الاعتدال الممكن» في بيئةٍ مضطربة، وكأنّ الذاكرة تُمحى بقرارٍ إعلامي.

لكن الحقيقة أبعد بكثير من هذه الصورة الملمّعة، فالجولاني لم يتحوّل من تلقاء نفسه، بل جرى «إعادة إنتاجه» ضمن مشروع استخباراتي محكم، يهدف إلى تجميل وجه الإرهاب وإعادة إدخاله إلى المشهد السياسي كأداةٍ لضمان استمرار النفوذ الأجنبي في سوريا، لم يغيّر الرجل فكره ولا عقيدته، بل بدّل أدواته وخطابه، وانتقل من زعيم ميليشياوي إلى واجهة سياسية لإدارة مناطق النفوذ في إدلب، برعاية تركية ـ غربية واضحة.

المفارقة أن المجتمع الدولي، الذي يرفع شعارات «حقوق الإنسان» و«مكافحة التطرف»، هو ذاته الذي يسعى اليوم إلى تلميع صورة أكثر رموز الإرهاب دموية، ويمارس ضغوطًا لرفع العقوبات عن سلطة الأمر الواقع، متجاهلًا آلاف الضحايا الذين سقطوا بأوامره وفتاواه. إنها ازدواجية واضحة تكشف أن المعايير الأخلاقية في السياسة ليست سوى أدوات انتقائية تخدم المصالح.

تسويق الجولاني كـ«شريك سياسي» هو مكافأة للإرهاب وتطبيع مع الجريمة، ومحاولة لتعويم من شارك في تدمير المدن وتهجير أهلها، ليصبح فجأة رمزًا للشرعية، والاعتراف به لا يمثل تسوية سياسية بقدر ما يعني تصفية للمشروع الوطني السوري، واستبدال الدولة الوطنية بمناطق نفوذ متناحرة تتقاسمها القوى الإقليمية والدولية وفق خرائط النفوذ لا إرادة الشعوب.

يراهن الغرب على ذاكرةٍ مثقوبة وعلى تعب الناس بعد سنواتٍ طويلة من الحرب، معتقدًا أن السوريين سيقبلون بأي مظهرٍ يوحي بالهدوء، غير أن هذا الشعب الذي ذاق مرارة التطرف والتدخلات يدرك أن الاستقرار لا يُبنى على الخداع، وأن تجميل الإرهاب لا يصنع سلامًا.

سوريا اليوم لا تحتاج إلى «رجل مرحلة» بوجهٍ مصطنع، بل إلى مشروع وطني حقيقي يعيد الاعتبار للدولة والسيادة والوحدة، وينهي زمن الوصاية والاحتراب الداخلي، فالوطن لا يُرمم بالصفقات، ولا تُقام الدول على بقايا التنظيمات، أما أولئك الذين يقدَّمون كبدائل مصنوعة في الخارج، فهم استمرارٌ لسياسة الإضعاف والتقسيم التي بدأت منذ أول تدخل أجنبي في الصراع السوري.

ما يجري في سوريا ليس إصلاحًا سياسيًا ولا انفتاحًا فكريًا، بل تدويرًا منسّقًا للإرهاب بغطاءٍ ناعم، يراد له أن يشرعن واقعًا تقسيميًا طويل الأمد، لكن التاريخ لا يُكتب بالكاميرات ولا بالمكياج السياسي، بل بالحقائق والدماء، وسيبقى السوريون الأحرار، في الداخل وفي الشتات، الشاهد الحقيقي على زيف هذه المسرحية، وهم وحدهم القادرون على كتابة خاتمتها عندما يستعيدون وطنهم من بين أنياب الوصاية والتطرّف معًا.

زر الذهاب إلى الأعلى