مقالات الرأي

أزمة الوعي الحضاري العربي.. بين احتقار الذات والانبهار بالغرب 

بقلم/ المهدي الفهري

في زمن تقاطع الثقافات وتشابك الحضارات لم تعد المعارك الحديثة تُخاض بالسلاح فقط، بل بالأفكار والمفاهيم وبالقيم والمعايير التي تُعيد تشكيل الوعي الإنساني وتوجيهه، والغزو الفكري في جوهره لا يستهدف الجغرافيا أو الموارد، بل يستهدف الإنسان في ذاته وعقله وثقافته.

ومواجهة أي غزو فكري تتطلب الوعي بالذات بما يضمن تفوقها وبناء فكر مبدع يؤكد قصور مصدر الغزو، وهذا لا يتأتى من الخارج، بل من داخل الذات نفسها، فالوعي بالذات هو خط الدفاع الأول في وجه كل محاولة لاختراقها والخطوة الأولى لنقلها من التبعية إلى التفوق، بيد أن المناخ الثقافي السائد في عالمنا العربي يعاني أزمة عميقة تتمثل في احتقار الذات وانعدام الثقة بها، ولعل أخطر ما في هذه الأزمة أنها تسللت إلى بعض النخب التي تصف وتصنف نفسها بالمثقفة فتحول كثير منهم إلى متلقين سلبيين للمعرفة مذهولين بالآخر فاقدين القدرة على تبني أو إنتاج فكر أصيل ينبع من واقعهم وبيئتهم وتاريخهم، وهذا ما ولد الشعور بالنقص أمام الآخر الغربي انعكس على قدرتنا في الإبداع والإنجاز حتى بتنا نعتقد أن التفوق الحضاري لا يتحقق إلا بتقليد الغرب ومحاكاته دون أن ندرك أن الحضارة لا تُبنى بتكديس المعارف وبتراكم الخبرات وحدها، بل بفهم موقعنا منها وبامتلاك رؤية نقدية متوازنة ما بين التراث والحداثة تستوعب ما هو نافع ومفيد وترفض كل ما هو مفرغ وخال من القيم.

لقد استطاع الغرب عبر قرون أن يؤسس نسقًا معرفيًا قويًا ومتماسكًا يقوم على المنهج العلمي والتراكم المعرفي كما أسلفنا سابقا، ما جعله مركزًا حضاريا جاذبًا للآخرين، بل مصدرًا لهيمنة فكرية ناعمة تتسلل إلى وجدان المثقفين والمفكرين في العالم كله كفكر وكثقافة مستوردة وما تشكله من خطورة على الهوية الثقافية، وأمام هذا الواقع تبدو أمتنا في حاجة ماسة الى إعادة الثقة في رموزها الثقافية والفكرية وإحياء تراثنا النقدي والعلمي وقيمنا الأصيلة مع الانفتاح الواعي على النماذج الأخرى دون الذوبان فيها، والانتقال من نقد الذات إلى نقد الغزو الفكري دون انكسار أو دونية، وأن نحاول أن نؤسس نموذجًا حضاريًا خاصًا بنا، يستند إلى قيمنا وثقافتنا وإرثنا المعرفي، فالعلم والمعرفة لا وطن لهما، لكنّ وعينا الثقافي هو الذي يمنح لهذه المعرفة معناها وقيمتها.

إن الأزمة الحقيقية ليست في التواصل مع الغرب أو الاستفادة من تجاربه، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع هذه التجارب، فنحن كثيرًا ما نتعامل معها من موقع التابع لا الشريك، ومن موقع المتلقي لا المنتج، وهذا ما جعلنا ندور في فلك الحضارة الغربية بدل أن نحاورها ونتفاعل معها من موقع الندّية والوعي.

إن تأسيس تقاليد معرفية عربية تقوم على البحث الجاد والمنهجية العلمية وربط الماضي بالحاضر يشكل الطريق الأوضح نحو النهضة الفكرية المنشودة، وحين ندرك قيمة أفكارنا ومفكرينا ونعي خصوصيتنا الثقافية ونقف من الفكر الغربي موقف الناقد المستفيد لا المنبهر المستسلم نكون قد بدأنا فعلًا رحلة استعادة الوعي وبناء الذات القادرة على المنافسة والإبداع في عالم تتسارع فيه الحضارات وتصبح فيه معركة الوعي معركة الأمة، وهي معركة وجود وإرادة وإيمان بأن حضارتنا لم تمت، بل تنتظر من ينفخ في روحها النائمة، فكل نهضة تبدأ بفكرة، وكل فكرة تبدأ بإيمان الإنسان بقيمته وبقدرته على التغيير.

زر الذهاب إلى الأعلى