مقالات الرأي

في الدعوة إلى حراك شعبي لتقرير المصير!!

بقلم/ مصطفى الزائدي

الدعوة التي يطلقها القائد العام للقوات المسلحة منذ ثلاث سنوات -من خلال لقاءاته بفعاليات من القبائل والمدن الليبية المختلفة، وزياراته لعدد من المناطق في الشرق والجنوب- لحراك شعبي تحميه القوات المسلحة لاستعادة الدولة، وبناء مؤسسات وطنية قوية، والخروج من عباءة الأجنبي، وإنهاء حالة الفوضى والعبث، هي دعوة جديرة باهتمام النخب الوطنية بمختلف توجهاتها الفكرية، وانحيازاتها السياسية، وانتماءاتها الاجتماعية، فهي الوسيلة الوحيدة الممكنة المتاحة لإعادة ترتيب ليبيا بجهود وطنية مستقلة.

لقد فشلت كل محاولات ما يسمى المجتمع الدولي في حل الأزمة، بل فاقمتها وزادتها تعقيدًا، وفرضت واقعًا للتقسيم على الأرض، فصارت شبه دولتين متجاورتين. فمنذ اتفاقية الصخيرات المشؤومة تُدار ما يسمى الدولة الليبية بعدة رؤوس، وحكومتين وبرلمانين، وأعداد ضخمة من الوزراء والوكلاء، لا مثيل لها حتى في الدول الكبيرة كالهند والصين. ولم تُجرَ انتخابات كما وعد المجتمع الدولي، ولن تُجرى في المدى المنظور.

ويحاول هذا المجتمع، في مسرحية هزلية، البحث عن توافق بين الأطراف الليبية المسيطرة على المشهد. توافق علاوة على كونه شبه مستحيل، لن يؤدي إلى الخروج من الأزمة، بل في أحسن الأحوال سيُبقي الحال على ما هي عليه. وفي المقابل، تتسارع وتيرة انهيار مؤسسات الدولة، ويعم الفساد بشكل يهدد ليس فقط ثروة المجتمع وموارده، بل حياة أفراد الشعب.

فالفساد المستشري في قطاعات توريد الأدوية والأغذية ينعكس مباشرة على صحة وحياة الأفراد، أما الفساد في التعليم فسيؤدي إلى تدمير خطير للأجيال القادمة. وهكذا يصبح الفساد في قطاع المال والاقتصاد أخف الأضرار، وهو الحالة السائدة في ليبيا اليوم، حيث تُبدَّد المليارات على مشروعات بعضها وهمي وآخر دعائي، وقليل منها فقط جدي، لكن بتكلفة خيالية.

سمعة الدولة الليبية في الخارج في الحضيض، فليبيا في نظر العالم دولة فاشلة هامشية، تحولت من قوة فاعلة إقليميًا ودوليًا إلى دولة مفعولٍ بها من الصغار والكبار.

التوافق المزعوم خدعة بصرية لإدارة الأزمة وتمطيطها ليس إلا! فالدول لا تُبنى ولا تخرج من أزماتها بمحاولات توفيق فاشلة دائمًا بين أطراف الصراع داخلها، بل تخرج من أزماتها عبر حراك قوي يفرض واقعًا يقود إلى المصالحة والتوافق المجتمعي.

للأسف، ولأسباب عدة، فشلت محاولة القوات المسلحة في استعادة الدولة بالكامل، وإن كانت قد نجحت في استعادة أجزاء كبيرة منها، وفرضت فيها الأمن والاستقرار، وحدَّت من المخاطر التي تواجهها.

لم يتبقَّ بأيدي الليبيين إلا وسيلة واحدة، وهي أن ينتفض الشعب كله لتقرير مصيره. والمستفيدون من الأزمة الحالية يدَّعون أن ما يُطرح محاولة لعسكرة الدولة، وهذا قول مردود عليه، خاصة أنه يأتي من جماعات كان لها دور بارز في ما حدث في عام النكبة، فلم يترددوا وقتها في الاستعانة بقوة عسكرية خارجية، حيث استدعوا الناتو ودولًا أخرى كثيرة لمساعدتهم على إسقاط النظام الوطني، وبرروا ذلك بأنه ضروري لتحرير البلاد من الدكتاتورية والاستبداد، إلى آخر الأسطوانة المشروخة.

واليوم ينكرون علينا الاستعانة بقواتنا المسلحة العربية الليبية الوطنية لإنهاء الفوضى والعبث ومحاولات التقسيم، وإيقاف مسلسل انهيار مؤسسات الدولة، وإطلاق عجلة التنمية. وهذا ينبهنا إلى أن أدوات الدول الأجنبية التي عبثت ببلادنا في الماضي هي ذاتها التي تعمل على منعنا من استعادتها الآن.

بكل وضوح، إن دعوة القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، رغم كونها لم تُعطِ تفصيلات ولم تقدم آليات عمل واضحة ومحددة، فإنها فكرة ينبغي على النخب الوطنية أن تتبناها بموضوعية وعقلانية، فهي الطلقة الأخيرة التي يمتلكها الليبيون لاستعادة الدولة، فإن فشلنا في استخدامها أو أخطأت هدفها، فسيكون المستقبل مظلمًا.

المسؤولية تقع على عاتق النخب الوطنية كلها، فالمسألة لا تتعلق فقط بحراك قبلي أو جهوي، وإلا ستكون جرحًا آخر في جسد الوطن، بل تتعلق في تقديري بحراك سياسي تقوده النخب السياسية كلها.

وهنا أدعو الجميع، بمن فيهم الذين لهم مواقف سلبية من القيادة العامة للقوات المسلحة أو قيادتها، إلى أن يتحلَّوا ببعض الموضوعية، وأن ينظروا إلى الأمر في عمومه وغاياته السامية، وليس في بعض التفصيلات أو الجزئيات التي يحاول العدو تضخيمها لعرقلة جهود الليبيين في استعادة بلادهم.

من مهام الحراك الشعبي صياغة مشروع واضح لليبيا الجديدة: هويتها، نظامها السياسي، نظامها الاقتصادي، العلاقات المجتمعية بين أفرادها، سياساتها الخارجية، قضاؤها، أمنها، دفاعها، إلى آخره. فليبيا التي أُريد لها عام 2011 أن تكون شكلاً هلاميًا بلا محددات، “دولة”، وأي دولة! فلم يُحدَّد نظام الحكم فيها، ولا نظامها الاقتصادي، ولا هيكلها الإداري.

وبعيدًا عن نظرية المؤامرة، أعتقد أن الأمر مقصود حتى يدخل الليبيون في متاهة لا يستطيعون الخروج منها. فمن تدخل في ليبيا عام 2011 لم يفعل ذلك حبًّا في الليبيين، ولا كرهًا في استبداد مزعوم، بل لأن له مصالح فيها -جغرافية واستراتيجية وسياسية وأمنية- وأولئك لن يسمحوا، إن استطاعوا، ببناء دولة بنظام وطني قوي، أيًّا كان من يتولى قيادتها. بل يريدون نظامًا هشًّا في دولة مفككة يسهل استغلال ثرواتها ومواردها، وتغيير بنيتها السكانية، ومنع أي محاولة لنهوضها في المستقبل.

رسالتي بكل وضوح: أن نلقي الحقد والجحود والتعصب جانبًا، وأن ننظر في المشروع بموضوعية.

زر الذهاب إلى الأعلى