طبول أفريقيا

بقلم/ مريغان المنفي
على الإيقاعات الإفريقية المتميزة بقرع الطبول في الغابات الغنية بالفاكهة والثمار، حيث يتناغم خرير المياه مع ترانيم العصافير، وتلاقي الأرواح حبورها وانطلاقها، مجسدة أسمى صور الحرية وأبهاها. إفريقيا التي انتصرت على الفقر والاضطهاد والاستعمار، وهي ترقص على أنغام الماكوايا وتشنف أسماعها موسيقى التاونشيب وضبط الأقدام مع الرومبا الكونغولية والكيزومبا. إفريقيا التي كسرت قيود الاستغلال الاقتصادي وتخلصت من نهب الموارد، واستطاعت تحقيق حياة كريمة لشعوبها التي تعشق رقصات الشتات الإفريقي وتجيدها على دقات الدجمبي ونقرات الطبول.
إن تلك الأصوات المرتفعة في ستينيات القرن الماضي التي أطلقتها انتفاضات الشعوب الإفريقية، التي تعافت من الجهل والجوع والمرض، وقامت قيامة العملاق فيها لتخطف حقها في الحياة بعزة وكرامة، بعد قرون من الاستعباد وتغول الرجل الأبيض، الذي كرس اللون الأسود لخدمته بدون أي اعتبار لآدميته التي داسها بعنجهيته وامتهنها بتغوله.
من أجل ذلك تلاقي ذكرى باتريس لومومبا تقديرًا لا يضاهيه تقدير، ونعتز أيما اعتزاز بمسيرة فرحات حشاد النضالية وسعيه إلى عمل نقابي كبير يضم القارة تحت جناحيه، ونتشرف بطولات أميلكار كابرال ومقاومته المسلحة ضد الاستعمار البرتغالي المقيت، ولا ننس العربي بن مهيدي ولا توماس سانكارا، والقائمة تطول بأفذاذ إفريقيا وأبطالها.
وانتصرت إيقاعات إفريقيا واجتاحت شوارع أوروبا وسكنت غصبًا وقهريًا قلوب شباب ومراهقي البيض أصحاب الشعر الذهبي والعيون الملونة، لذلك لم تعبأ إفريقيا كثيرًا بنظرات الاشمئزاز. احتلت إفريقيا عقول الجاز والبلوز وتجاوزت بهم خطوط الريغي والهيب هوب والأفروبيت بفضل فنانين من أصول إفريقية، فلم تستطع أوروبا الغناء بدون ستورمزي وجاي هس وفيوز أودي جي، وكلهم أفارقة، واختفى التبجح أمام الكنغولييوسوفا فوق ميادين فرنسا، وعندما اختاروا ملكًا للراي كان الجزائري الشاب خالد بلا منازع.
استطاعت إفريقيا تشكيل المزاج العام الغربي، وأثبت الأفارقة أنهم أكثر رهافة حسية وأقوى تذوقًا، وأن الإيقاع الإفريقي يخاطب الوجدان ويحتله، لقد علَّمت إفريقيا رعاع أوروبا الغناء.
وإفريقيا التي هزمت حملات التنصير التي انطلقت تحت عباءة التبشير، وهزمت البراءة الإفريقية والفطرة الطبيعية، ونظرات المبشرين العنصرية ومحاولات الاستمالة غير الموفقة، كانت تصطدم بلعنة الزنج في الإصحاح التاسع: (ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته، مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبد العبيد، اللهم ليفتح الله ليافث فيسكن مساكن شام). أثبت الإنسان الإفريقي أن إيمانه أكثر عمقًا وأن إحساسه الأخلاقي أعلى شأنًا، فهل سمعتم عن دولة إفريقية احتلتها فرنسا أو بريطانيا وانتهبت مناجمها؟ لقد شاهد الإفريقي بلاده تتحول إلى ساحات من الحروب والدماء والخراب فقط لإرضاء نزوة الصراع الغربية، وانهارت مجتمعات إفريقية لمجرد أن لا تفلس البنوك الأوروبية.
لذلك فإن دعوى ترامب تجاه نيجيريا في ذات السياق من احتكاك حضارتين، أراهن بانتصار البسطاء فيها، وأن مطامع أمريكا في البترول النيجيري ستتهاوى أمام الطبول الإفريقية، لكنها هذه المرة تصدرها الفوهات وليس رقاع الجلود، وسوف ينتصر الكاتب النيجيري وولي سوينكا غصبًا عن حرمانه من تأشيرة الدخول إلى أمريكا (رغم فوزه بجائزة نوبل)، ولن يستطيع ترامب حل مشاكله المتراكمة بترحيلها نحو إفريقيا، الهزيمة ستلاحق أي عدو للإنسانية.
