مقالات الرأي

لماذا التشبيه والتمثيل؟ وما أهمية الجمع بينهما؟

بقلم/ مهدي امبيرش

يضعهما المولعون بالتصنيف والتعقيد من القواعديين المناطقة منفصلين عن منهج التفكير العربي، دون أن يدركوا أنهما لا يخرجان عن عملية البيان، بل حتى لو جاريناهم مؤقتا بقبول أن اللغة هي اللسان وأن النحو هو القواعد، سنجدهم مضطرين إلى البحث عن علاقة هذين الأسلوبين بالإعراب، حيث يضطرون إلى الاعتراف أن الإعراب الوصفي الظاهري هو فرع المعني، أي أن الإعراب ليس المعنى، كما أن الفرع ليس الشحرة.

ولقد سبق أن ذكرنا في أكثر من معرض أن الوصف تحصيل الحاصل، وإنه لا يأتي إلا ضمن علاقة بين حدَّي الوصف، الموصوف والصفة، مع افتراض أن الموصوف -بداهة- لا بد أن يكون موضوعا، أي يتخذ وضعا وهو متحيز ضمن حدود، أو أنه متطرف، ومن ثم يصلح أن يكون موضوع أحكام مفهومية، أي قضايا منطقية، كتلك التي تكيف قضايا أحكام في المحاكم يمكن الحكم فيها بغض النظر عن مرجعيات الأحكام، ولكن في كل الأحوال هي قضايا تكشف عن واقعة أو حدث، حيث يكون له حدود تضمنه مع رفض النزعة المادية في القول بثنائية الشكل والمضمون، لأننا نقول، ضمن منهج التفكير العربي الرافض الشرك في منهج التفكير، إن العلاقة بين ما يوصف عندهم بالشكل والمضمون هي علاقة تضايف “correlation” حيث إذا غاب الواحد اختفى مضيفه بداهة.

نعود إلى القول إن التشبيه والتمثيل محاولة يمكن أن تكون أقرب إلى توتر نفسي يعيشه الإنسان عند إدراكه عجزه على أن يدرك المطلق، أي أن هذا الأسلوب في استخدام التشبيه والتمثيل أو الاستعارة أو الكناية أو التورية، بل والمجازات بعامة لا نفهمها إلا محاولة تعويضية عن هذا العجز، وفي محاولة بعد أن عجزنا عن أن ندرك المطلق فعلى الأقل أن نقاربه، بل إن الإبداع -بعامة- يأتي من هذه الناحية؛ لذا قلنا إن العمل الإبداعي ليس موضوعا للنقد، ولا يمكن إخضاعه لمنطق الأحكام، ولا أن يصير قضية أحكام، فالأحكام، بفتح الهمزة في الخط وفي الصوت لا تتم إلا بإحكام، بكسر الهمزة، والإبداع خروج عن المعقول إلى اللامعقول، الذي يقال عنه مجازا إنه جنون، أي انفتاح على المجهول والمختفي الذي لا ندركه ومنه الجِنة والجنة، وجنّ، أي اختفى وغاب، وهنا نصل إلى أسلوب التشبيه، أي عقد علاقة بين طرفي التشبيه، ومن خلال أداة التسلية بين طرفين، وجهة التشابه بينهما لا على سبيل علاقة بينهما، بل علاقتهما بوجه الشبه، أي اسم المعنى الذي لا يمكن إدراكه كالذي سبق أن ذكرنا، فقولنا: فتاة خدها كالوردة، لا نفهم منه أن خدها وردة، ولكن كليهما لونهما أحمر، والعلاقة باسم المعني الحُمرة، وهو اسم معنى لا يمكن إدراكه، ولأن هذا يحتاج إلى مزيد من التوضيح ضمن العملية البيانية والتي تفتحنا على من بحث في المنطق حول ما يسمى في الغرب توسعا علم الظواهر phenomenology”” وتبيان تميز العربية عن منهج التفكير الأعجمي الأوروبي سنرجئ هذا إلى مداخلات قادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى