مقالات الرأي

وصاية تتجدد بالهيكلة

بقلم/ عفاف الفرجاني

بينما تواصل بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تسويق ما تسميه (الحوار المهيكل)كطريق جديد نحو التسوية، فإن الواقع يشي بأنه ليس إلا نسخة معدلة من مبادرات فاشلة سابقة، تعيد تدوير نفس الوجوه والخيارات التي عرقلت مسار الانتخابات واحتكرت القرار السياسي. فالمسألة ليست في الحوار ذاته، بل في إرادة المجتمع الدولي الذي يفرض على الليبيين مسارات جاهزة تبقي الأزمة في حالة دوران دائم.

لقد أُقرت الأسس القانونية والدستورية للانتخابات منذ أكثر من عامين، وتقدم الليبيون إلى صناديق التسجيل بآمال كبيرة، غير أن العملية أُجهضت بذريعة (القوة القاهرة)التي أعلنها السفير الأمريكي في ديسمبر 2023، في سابقة جعلت القرار الوطني رهينة لموقف دبلوماسي خارجي. منذ تلك اللحظة، لم تتوقف الدوامة: مبادرات أممية متكررة، اجتماعات شكلية، وخطابات عن (الهيكلة) و(التمثيل الشامل)، بينما تتآكل الشرعية يومًا بعد آخر، وتستمر المماطلة باسم الحوار.

الحوار المهيكل اليوم ليس مشروعًا لبناء الدولة، بل غطاءً لتثبيت الأمر الواقع وإعادة إنتاج الانقسام بمسميات جديدة. فبدلًا من الانطلاق نحو الانتخابات، تُعاد صياغة نفس القضايا التي استُهلكت: توحيد المؤسسات، وتوزيع الصلاحيات، وإعادة بناء الثقة، وهي عناوين براقة، لكنها في جوهرها تعني تأجيل الإرادة الشعبية مرة أخرى.

إن مجلس النواب، بوصفه المؤسسة الشرعية الوحيدة المنتخبة، مطالب اليوم بتحمل مسؤوليته الوطنية والتاريخية وإعلان تشكيل حكومة مؤقتة لا تتجاوز مدتها ستة أشهر، تكون أولى مهامها تفكيك الميليشيات المسلحة، واستعادة سيادة الدولة على السلاح، وتهيئة بيئة آمنة تُتيح إجراء انتخابات حرة نزيهة، بعيدًا عن سطوة السلاح والمال السياسي. فبدون تفكيك الميليشيات لن تكون هناك دولة، ولن تقوم حكومة منتخبة قادرة على إدارة البلاد وفق إرادة الشعب.

ما تحتاجه ليبيا ليس حوارًامهيكلًا بل قرارًا وطنيًّا حاسمًا يضع نهاية لعصر المراحل الانتقالية. فإعادة تدوير الأزمة تحت رعاية أممية لن تصنع دولة، ولن تمنح الليبيين أملًا جديدًا. الحل في يد الليبيين وحدهم، عبر صناديق الاقتراع، لا عبر موائد الحوار التي تُدار من الخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى