تشويه الحقيقة

بقلم/ محمود امجبر
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتُختزل فيه المواقف في شعارات براقة، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في سردياتنا الجماعية، لا لننقدها فقط، بل لنفككها ونكشف ما وراءها من تناقضات وتزييف. فالحقيقة، حين تُختزل في هتاف، تُغتال في الزحام، وتتحول إلى أداة في يد من يجيدون التلاعب بالعواطف وتزييف الوعي.
ما جرى في ليبيا عام 2011 لا يمكن أن يُقرأ بمنطق الأبيض والأسود، ولا أن يُصنف ضمن الثورات النقية التي تنشد الحرية وتؤسس للعدالة. بل كان، في كثير من جوانبه، انتقامًا ممنهجًا، قادته تنظيمات تكفيرية، لا بدوافع عقائدية فحسب، بل بأجندات أيديولوجية عميقة، استغلت لحظة الانفجار الشعبي لتصفية حساباتها مع الدولة والمجتمع، وتفكيك البنية الوطنية لصالح مشاريع عابرة للحدود.
الأخطر في هذا الانتقام لم يكن فقط من حمل السلاح أو رفع الرايات السوداء، بل أولئك الذين كانوا بالأمس يصفقون للنظام، ويعتبرون أنفسهم جزءًا منه، ثم انقلبوا عليه في لحظة، دون مراجعة أو اعتراف. هؤلاء الذين يتحدثون اليوم عن الفساد والطغيان وحكم الفرد، كانوا أنفسهم يتفاخرون علينا في المدرجات، وفي الصحف، وعلى المنابر الإعلامية، وفي الملتقيات الثورية العقائدية. هم أنفسهم من يعملون الآن على تشويه كل فكرة ومشروع انطلق في عهد النظام السابق، لا لأنهم يؤمنون بالتغيير، بل لأنهم يتقنون فن التلون والانتهازية.
من كانوا أنصار “الفاتح” بالأمس، البعض منهم أصبحوا أنصار “فبراير”، واليوم هم نفسهم أنصار “الكرامة”. يتقنون القفز المبكر إلى الضفة الأخرى، بحجج جاهزة، في الوقت والمكان المناسب. أعرف الكثير منهم، استفادوا من النظام، واليوم يتحدثون عن “فاتورة كانت تُدفع من مال الليبيين”، وكأنهم لم يكونوا جزءًا من تلك المنظومة، بل ضحاياها. إنهم لا يملكون ذاكرة، بل يملكون قدرة خارقة على إعادة تدوير مواقفهم بما يتناسب مع الرياح السياسية.
الجماعة حين تفقد عقلها: بين الطغيان والتهليل
كتب القذافي:
“ما أقسى البشر عندما يطغون جماعيًا..
إن طغيان الفرد أهون أنواع الطغيان، أما طغيان الجموع فهو أشد صنوف الطغيان”.
هذه الكلمات، وإن قيلت في سياق فلسفي، تكشف عن وعي عميق بطبيعة الجماعة حين تفقد عقلها الجمعي، وتتحول إلى أداة للانتقام لا للعدالة. لقد رأينا كيف أن الجموع التي صفقت بالأمس، هي نفسها التي صفقت اليوم، ولكن لجلاد جديد، وبشعارات جديدة. الجماعة حين تُستلب، لا تميز بين الحق والباطل، بل تنجرف خلف الصوت الأعلى، والراية الأوضح، والعدو الأقرب.
إن أخطر ما في الطغيان الجماعي أنه لا يُحاسب، لأنه بلا رأس، بلا مسؤول، بلا ضمير. إنه طغيان يُمارس باسم الشعب، لكنه لا يخدم إلا من يتقن ركوب الموجة وتوجيهها نحو مصالحه الخاصة.
التحية لكل من بقي وفيًا للحقيقة، لا للسلطة. التحية لمن رفض أن يكون جزءًا من الجوقة، وفضّل أن يكون شاهدًا على ما جرى، لا مشاركًا فيه. أما أولئك الذين يتقنون القفز بين الضفاف، فسيظلون أسرى مواقفهم المتناقضة، مهما تلونوا وتجمّلوا.
