مقالات الرأي

ليبيا: المناخ والصحة نحو رؤية خضراء وإنسانية لمستقبل مستدام

بقلم/ د. علي المبروك أبوقرين

يجتمع العالم في البرازيل في مؤتمر COP30 ليعيد التفكير في مصير الكوكب، وفي صحته ومناخه، وفي الإنسان الذي أرهق الطبيعة وأنهكها. وتُناقش القضايا الكبرى كالانبعاثات والاحتباس الحراري، والتحول إلى الطاقة النظيفة، والعدالة المناخية، والحق في بيئة سليمة وصحة متوازنة.

وفي هذا المشهد العالمي، تقف ليبيا على مفترق طرق بين ماضٍ مثقل بالاضطرابات، وحاضرٍ يعاني من آثار التلوث البيئي والصحي، ومستقبل يمكن أن يُبنى على أسس جديدة تجمع بين البيئة والصحة والتنمية المستدامة.

لقد أظهرت التجارب أن الوقود الأحفوري لم يعد مجرد مصدرٍ للطاقة، بل أصبح أحد أخطر المهددات للحياة وللتوازن البيئي، إذ يؤدي احتراقه إلى إطلاق غازات سامة تحبس الحرارة في الغلاف الجوي، وتدفع المناخ إلى الفوضى: جفافٌ هنا، وفيضاناتٌ هناك، وعواصفُ وأعاصيرُ في أماكن لم تعرفها من قبل، وأمراضٌ جديدة تتكاثر مع الحرارة والرطوبة والتلوث.

وحتى الأنظمة الصحية والمستشفيات والمرافق والمراكز الطبية والمختبرات والصيدليات، التي وُجدت لتصون الصحة، أصبحت بدورها من مصادر الانبعاثات والتلوث، بما تستهلكه من طاقة، وما تنتجه من نفايات طبية وكيميائية خطيرة.

وفي ليبيا تتجلى الصورة بأبعادها المؤلمة: فالهواء في المدن مشبَع بالدخان والغبار، والبحر يئن من الصرف الصحي الذي يُلقى فيه بلا معالجة، والأراضي الزراعية تتعرض للتجريف والتصحر، والنفايات تتكدس في الشوارع والمكبات الضخمة، فيما تُلقى النفايات الطبية والصناعية بلا رقابة، وتُحرق أحيانًا في الهواء الطلق لتلوِّث السماء والأرض والمياه.

كما تتداخل المناطق السكنية مع الورش والمصانع والمطاعم والجزارات والمخابز بلا أدنى ضوابط صحية أو بيئية، وتُقام الأسواق العشوائية داخل المدن وعلى أطرافها وبين المزارع، وتغرق الأسواق بالبضائع المغشوشة والأدوية الفاسدة، في ظل غياب الرقابة البيئية والصحية المتكاملة.

إن ما يجري ليس مجرد تلوث مادي، بل هو تلوث في الوعي والسياسات والإدارة، إذ لم تُدرج البيئة ضمن منظومة الأمن الوطني ولا ضمن أولويات التنمية. ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة لأن تتحول ليبيا إلى نموذجٍ بيئي متوسطي أفريقي يجمع بين الشمس والرياح والزراعة الخضراء والاقتصاد الدائري — أي اقتصاد يعيد تدوير موارده بدل أن يبددها.

ولعل الخطوة الأولى تبدأ من الاعتراف بأن البيئة ليست قطاعًا منفصلًا، بل هي قلب الحياة ذاتها، وأن الصحة لا تُقاس بعدد المستشفيات فقط، بل بصفاء الهواء، ونقاء المياه، وسلامة الغذاء، واستدامة الطبيعة.

إن تأسيس سياسات خضراء في ليبيا يمكن أن يشكل نقطة تحول تاريخية، عبر إطلاق برامج وطنية للطاقة المتجددة من الشمس والرياح، وإنشاء محطات لمعالجة الصرف الصحي وإعادة استخدام المياه في الزراعة، وتنظيم التوسع العمراني بما يحمي الرقعة الزراعية والمساحات الخضراء، وبناء اقتصاد بيئي صحي يوازن بين النمو وحماية الطبيعة، وتعزيز التربية البيئية والصحية في المدارس والجامعات والإعلام، ودمج مفهوم الصحة المناخية في الخطط الوطنية والبلدية.

ليبيا اليوم تحتاج إلى أن ترى نفسها من نافذة جديدة، لا كدولة غنية بالنفط فقط، بل كدولة غنية بالطبيعة، وبالبحر والشمس، وبالقدرة على أن تكون رمزًا للعودة إلى التوازن بين الإنسان وبيئته.

ولعل مؤتمر COP30 هو دعوة للبشرية، ومنها ليبيا، لأن تعيد صياغة علاقتها بالأرض، وأن تجعل من البيئة بوابةً للصحة، ومن الصحة طريقًا إلى الكرامة والإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى