مقالات الرأي

بين ذاكرة القصر وواقع السياسة: توقيع مشروع العزيزية–رأس إجدير

شهدت العاصمة طرابلس اليوم مراسم توقيع تنفيذ مشروع طريق العزيزية–رأس إجدير، وهو أحد المشروعات التي تأتي في إطار الاتفاقية الليبية–الإيطالية الموقعة عام 2008، والتي جاءت عقب اعتذار إيطاليا الرسمي عن حقبة الاستعمار وما رافقها من ممارسات وانتهاكات ضد الشعب الليبي.
تلك الاتفاقية كانت ثمرة نضال طويل قاده القائد الراحل معمر القذافي، الذي أصرّ لسنوات على أن يتحمّل المستعمر مسؤوليته التاريخية، وأن يعترف بجرائمه ويقدّم التعويضات المناسبة عن عقود من الاستغلال والاحتلال.

اللافت في مشهد اليوم لم يكن توقيع المشروع بحد ذاته، بل المكان الذي احتضن الحدث. فقد أُقيم اللقاء في قصر الشعب بطرابلس، المعروف تاريخيًا باسم قصر الخلد، والذي كان في الأصل مقرًا للحاكم العسكري الإيطالي إيتالو بالبو إبان فترة الاستعمار، حين كان يُعرف باسم “Palazzo del Governatore” أي قصر الحاكم العام.
ورغم رمزية القصر الوطنية بعد تحوّله إلى مقر ملكي خلال حكم الملك إدريس الأول (1951–1964)، ثم إلى متحف وطني يوثق مراحل الحضارة الليبية، فإن استخدامه اليوم كمكان لتوقيع مشروع ضمن اتفاقية استعمارية سابقة أثار تساؤلات حول دلالات المشهد ورسائله السياسية.

فقد قال رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في كلمته: “نلتقي هنا في قصر الخلد…”، متجاهلًا اسمه الوطني اللاحق “قصر الشعب”، الذي حمله اعتزازًا بانتصار الليبيين على المستعمر واستعادة سيادتهم.
ذلك التجاهل، في نظر كثير من المراقبين، لا يخلو من رمزية سياسية تميل إلى توظيف المنجزات الوطنية التي تحققت بفضل ثورة الفاتح من سبتمبر، لا من باب الاعتزاز بالتاريخ، بل من باب الاستفادة البراغماتية من نتائجها الاقتصادية والتنموية.

قصر الخلد، أو متحف ليبيا اليوم، يختزن في جدرانه ذاكرة متشابكة؛ من عهد الحاكم الإيطالي، إلى فترة الحكم الملكي، وصولًا إلى العهد الجمهوري، مرورًا بلحظات مؤلمة كالضرر الذي لحق به في الغارة الأمريكية عام 1986.
وقد ظلّ هذا المعلم التاريخي شاهدًا على تحوّلات الدولة الليبية في معناها السياسي والسيادي، حتى بات اليوم عنوانًا لتناقضات الحاضر بين رمزية الاستقلال وواقع الارتهان للماضي.

إن إقامة فعالية رسمية بهذا الحجم داخل قصر كان رمزًا للاستعمار ثم رمزًا للتحرر، تفرض على القائمين على الدولة إعادة التفكير في دلالات المكان والزمان والسيادة.
فالمشروعات التنموية لا تُقاس فقط بالإسفلت والخرائط، بل بما تحمله من وعي وكرامة وطنية تحفظ للأجيال القادمة معنى الاستقلال الحقيقي الذي ناضل لأجله الآباء.

زر الذهاب إلى الأعلى