الذكاء الاصطناعي يكتب أول فصول الهيمنة

بقلم/ عبدالفتاح الشريف
شهدت الأسواق العالمية الأسبوع الماضي لحظة فارقة في تاريخ الاقتصاد الحديث وتحولًا عميقًا في هيكل القوة الاقتصادية العالمية، حين تجاوزت القيمة السوقية لشركة “إنفيديا” – عملاق التكنولوجيا المتخصصة في شرائح الذكاء الاصطناعي – الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا (4.6 تريليون دولار)، لترتفع قيمتها إلى 5.06 تريليون دولار، متخطية بذلك اقتصاد رابع أكبر دولة صناعية في العالم.
وبهذه الخطوة، أصبحت “إنفيديا” أول شركة أمريكية مدرجة في البورصة تتجاوز حاجز الخمسة تريليونات دولار، متفوقة على عمالقة التكنولوجيا مثل “مايكروسوفت” و”آبل” و”ألفابيت” و”أمازون” و”ميتا”. وتم ذلك في قصة صعود فريدة وغير مسبوقة، حيث شهدت أسهم “إنفيديا” ارتفاعًا صاروخيًا بلغ 44,000% خلال العقد الماضي، مدفوعة بالطلب الهائل على العتاد والبرمجيات الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. فاستثمار بقيمة 1000 دولار في الشركة عام 2015، عندما كان سعر السهم 0.47 دولار، كان سيجني اليوم نحو 441,000 دولار.
لم يعد تجاوز “إنفيديا” لقيمة اقتصاد ألمانيا مجرد رقم قياسي، بل أصبح مؤشرًا على تحول جذري في هياكل القوة الاقتصادية العالمية. فلم تعد شركات التكنولوجيا مجرد منافسة في أسواقها التقليدية، بل تحولت إلى قوى اقتصادية تضاهي دولًا صناعية كبرى.
يشبه هذا التحول الانتقال من الاقتصاد القائم على النفط والمصارف في القرن الماضي، إلى الاقتصاد القائم على البيانات والمعالجات والذكاء الاصطناعي في عصرنا الحالي الذي بدأ يشهد انتقال الثروة والنفوذ من الصناعات التقليدية إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة.
يؤثر صعود “إنفيديا” على المشهد الاقتصادي بطرق متعددة مثل:
أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي التي تشهد تقلبات تشبه صدمات أسعار النفط في السبعينيات بعد أن أصبحت المعالجات هي النفط الجديد ويتوقع أن تستمر انفيديا في قيادة هذا التحول كمزود رئيسي لشرائح المعالجة المستخدمة في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي حيث يتوقع المراقبون أن ترتفع أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي في المدى القصير بسبب الطلب الكبير قبل أن تشهد انخفاضًا تدريجيًّا مع تطور التقنيات وزيادة المنافسة.
كما يؤثر صعود انفيديا على التحولات الجيوسياسية بعد أن أصبحت رقاقاتها سلعة استراتيجية تقوم الولايات المتحدة باستخدامها كأداة للنفوذ الجيوسياسي والمساومة والضغط التكنولوجي حيث تخضع رقاقاتها لقيود الصادرات الأمريكية كجزء من الاستراتيجية الأمريكية للحد من تقدم الصين في مجال الذكاء الاصطناعي.
كما يشير بعض المراقبين إلى أهمية انفيديا في كتابة النهاية لعصر وبداية عصر آخر، والمقصود هنا بداية عصر الهيمنة التقليدية للهواتف الذكية وبداية عصر الذكاء الاصطناعي الذي يتقدم بسرعه غير مسبوقة والذي بفضله أصبحت انفيديا توفر البنية التحتية الحاسوبية للاقتصاد الرقمي الجديد فمعالجتها الرسومية (.) لا غنى عنها لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة من سيارات ذاتية الحركة إلى الروبوتات والرعاية الصحية وغيرها من التطبيقات الأخرى.
وختامًا بدأت خريطة العالم تشهد تحولات كبرى مدفوعة بقوى الاقتصاد والتكنولوجيا، وستظهر معالمها الرئيسية في صعود “جيو-اقتصاد” جديد لأن الصراع لم يعدد محصورًا بالجيوش، بل انتقل إلى خطوط السكك الحديدية، وأسعار الغاز، ومراكز البيانات، وسلاسل التوريد. فالقوة في الشرق الأوسط بحلول 2040، على سبيل المثال، ستعتمد بشكل كبير على حجم البيانات المتداولة، وعدد الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وحجم رؤوس الأموال العابرة.
فالذكاء الاصطناعي سيعيد رسم خريطة الأسواق المالية بشكل غير مسبوق، ليخلق فرصًا هائلة لشركات مثل إنفيديا ويهدد شركات عريقة وكيانات تقليدية قد لا تستطيع التكيف مع سرعة التحول ليكتب بداية الهيمنة للذكاء الاصطناعي.
