معسكرات الاعتقال

عندما عجزت قوات الغزو الاستعماري عن إنهاء المقاومة المسلحة بالطرق التقليدية لجأت إلى أسلوب القتل الجماعي لليبيين جميعًا: مقاتلين ومدنيين، وقد تفتقت عقلية الوالي الجديد لليبيا “بادوليو” الذي كان يشغل منصب رئيس الأركان العامة للجيش قبل توليه منصبه الجديد في (1929)، وتعهد بأن يقضي على حركة المقاومة خلال خمس سنوات، تفتقت عن فكرة حشر الليبيين في معسكرات اعتقال في أماكن صحراوية قاحلة بهدف تحقيق عزل مادي واضح بين قوات المجاهدين والقاعدة الشعبية العريضة التي يستندون عليها في التمويل والنقل والمتطوعين.
وقد جاء في رسالته إلى نائبه في برقة الجنرال غراتسياني المكلف بسحق حركة المقاومة بعنف وبدون هوادة ما يلي: “فلابد إذن من عزل تشكيلات العصاة (يقصد المجاهدين) عن الأهالي المستسلمين وذلك بإيجاد منطقة شاسعة بما فيه الكفاية ومحددة تفصل بعضهم عن بعض. وأنا لا أخفي فداحة مثل هذا الإجراء وأهواله أو أبعاده، إذ ربما أسفر عن هلاك من ينعتون بالأهالي المستسلمين، ولكن الطريق قد تحدد لنا مسارها وعلينا اتباعها إلى النهاية، حتى لو أدى ذلك إلى فناء أهالي برقة عن بكرة أبيهم، فالمسألة الملحة الآن إذن تكمن في اقتياد جميع الأهالي المستسلمين إلى أماكن فضاء شاسعة وحشرهم بداخلها، بحيث تسهل حراستهم ويكون بينهم وبين العصاة منطقة عازلة. وبعد تنفيذ هذا الإجراء يصير التحول إلى العمل العسكري المباشر وغيره ضد العصاة”.
وهكذا فقد تم طرد ما يزيد على مئة ألف مواطن من سكان الجبل الأخضر ومنطقة البطنان من مواطنهم الأصلية وحشرهم في معسكرات اعتقال مع حيواناتهم في المنطقة الصحراوية القاحلة الممتدة من العقيلة إلى الأبيار في صيف عام 1930، وبدأت العملية بتجميع هؤلاء التعساء في معسكرات تجميع مؤقتة في عين الغزالة، شحات، طلميثة (الدرسية) وتوكرة (العقورية) تمهيدًا لنقلهم إلى معسكرات الاعتقال الدائمة في العقيلة، البريقة، المقرون، سلوق والأبيار.
وفي الواقع أن فكرة المعتقلات من حيث كونها تعني تحديد إقامة الأهالي الخاضعين للاحتلال، وعدم السماح لهم بمغادرة مواطنهم إلا بتصاريح، ومنعهم من الاتصال بالمجاهدين خاصة، قد طبقت في كافة أنحاء البلاد، ولكن بدرجات متفاوتة من الحدة والمدة والشدة، ولكن معسكرات الاعتقال المذكورة تختلف اختلافًا كليًا، حيث قصد منها القتل البطيء لقاطنيها ومنع أي اتصال بينهم وبين المجاهدين. وأهم هذه المعتقلات:
- معتقل العقيلة وضم نحو سبعة آلاف نسمة من أقارب المجاهدين بالإضافة إلى قبائل المغاربة التي وضعت في مكان مسيج ومنفصل قرب المعتقل المذكور وضم نحو 790 خيمة.
- معتقل البريقة وقدر عدد نزلائه بنحو 36 ألف نسمة موزعين بين 2694 خيمة.
- معتقل سلوق وهو أكبر المعتقلات مساحة وعدد المعتقلين فيه بلغ نحو 36 ألف نسمة موزعين بين 5393 خيمة.
- معتقل المقرون ويضم نحو 18 ألف نسمة موزعين بين 2861 خيمة.
- معتقل الأبيار ويقدر عدد المعتقلين به ما بين 3000 و6000 نسمة.
لقد ترتب على إنشاء المعتقلات ونظام المعيشة القاسي الذي طبقه الطليان في حق المعتقلين مثل تعريضهم لأشد أنواع العقوبات، والجلد بالسوط، والربط على العمود لمدة يوم، ويومين وأحيانًا أكثر، وكنس الرمال ونقلها من مكان إلى آخر بقصد إجهاد الشخص، إلى جانب الركل والسب، والشتم وأعمال السخرة، علاوة على سوء التغذية وتفشي الأمراض، الأمر الذي أدى إلى موت ما يزيد على نصف المعتقلين وخسارة ما يزيد على 90 و95 % من الثروة الحيوانية، نظرًا لمصادرة الطليان جزءا كبيرا من هذه الحيوانات، وموت البعض الآخر، نتيجة سوء المرعى وقلة المياه، علاوة على الآلاف من رؤوس الأغنام التي صحبها المعتقلون معهم تم قتلها وحرقها في الطريق، في وادي الكوف، حيث أعياها المشي وتخلص منها الجنود الطليان المرافقون للمعتقلين بهذه العملية الوحشية.
