مقالات الرأي

المسبحة والخنجر

بقلم/ ناصر سعيد

من الصعب فهم تنظيم الإخوان المسلمين دون التوقف عند ازدواجيته العميقة بين ظاهرٍ متدينٍ وباطنٍ مصلحيٍّ محض، فمنذ نشأته، سعى هذا التنظيم إلى احتكار الحديث باسم الدين، بينما مارس في الواقع أبشع صور التسلط والخداع والتلاعب بالدين لخدمة مشروعٍ سياسيٍّ مغلقٍ على ذاته.

من يتأمل في مسيرة تنظيم الإخوان المسلمين يجد نفسه أمام ظاهرة معقدة تجمع في طياتها التناقضات كلها، فهم يرفعون شعار الدين، لكنهم يمارسون السياسة بأقذر أدواتها، ويخلطون بين الدعوة إلى الله والتآمر على الأوطان، إنهم باختصار خليط غريب بين التدين والجريمة المنظمة، أو كما يمكن وصفهم بدقة أكثر، “وعاء جامع لكل أنواع الزبالة السياسية والأخلاقية والفكرية”.. يقدّمون المواعظ بألسنتهم فيما تُدار شبكات المال والفساد والتنظيم السري بأيديهم.

ولعل أفضل من وصفهم هو شيخهم ومؤسس حركتهم في السودان حسن الترابي، حين اعترف بمرارة وهو يتحدث عن جماعته ومن بينهم عمر البشير قائلًا: “أكلوا الأموال أكلًا عجيبًا”، اعتراف صريح من الداخل بأن الفساد متجذر في سلوك هذه الجماعة التي تتخذ من الدين ستارًا ومن الشريعة مطية، ولا شك أن الإخوان المسلمين في ليبيا هم جزء من النسيج الوطني، ولهم ما لغيرهم من حقوق المواطنة، ولكن من أجل أن يشاركوا بصدق في تقرير مصير الوطن، عليهم أولًا أن يتحرروا من (أمراضهم التسعة) التي لازمَت تجربتهم منذ نشأتهم حتى اليوم، وجعلت منهم عبئًا وخطرًا على الدولة والمجتمع، وهي:

إرهابيون: منذ تأسيس التنظيم الخاص في مصر تورط الإخوان في الاغتيالات ومحاولات القتل، من النقراشي إلى محاولة اغتيال عبد الناصر، ويتكرر المشهد في ليبيا، حيث ثبت دعمهم وتمويلهم للجماعات الإرهابية من داعش إلى أنصار الشريعة والقاعدة والمقاتلة.

 تكفيريون: مرجعيتهم الفكرية هي سيد قطب، الذي كفّر المجتمع كله واعتبره جاهليًا، وهم بذلك يلتقون في المنهج مع الفكر الوهابي وكل التنظيمات المتفرعة عنه.

إقصائيون: لا يقبلون شريكًا في الوطن، كل من خالفهم فهو عدو يجب إقصاؤه، القوانين الإقصائية التي صدرت بعد 2011 أيام سيطرتهم على المجلس الانتقالي والمؤتمر الوطني شاهدة على ذلك، والأدهى أن برلمانهم في السودان ـ حين حكموا ـ وصل به الأمر إلى حد التفكير في منع دفن المعارضين في تراب الوطن!

استحواذيون: كل ما تصل إليه أيديهم يتحول إلى غنيمة، يسعون للسيطرة على المؤسسات والمناصب والمراكز الإدارية دون كفاءة أو استحقاق، بل بدافع الولاء للجماعة.

إذعانيون: في أدبياتهم يقال إن العضو في يد مرشده كالميت في يد مغسّله، يقلبه كيف يشاء، أي أنهم يلغون العقل والضمير والشخصية المستقلة.

إنكاريون: ينكرون الحقائق حتى لو واجهتهم بها الوثائق، لا يرون سوى روايتهم، ولا يؤمنون إلا بما يخدم جماعتهم.

باطنيون: يظهرون غير ما يضمرون، يتقنون فن التقيّة، ويتخفّون خلف الشعارات الدينية، فيما يضمرون مشروعًا سياسيًا خالصًا للسيطرة والتمكين.

ميكافيليون: الغاية عندهم تبرر الوسيلة، لا أخلاق في السياسة ولا ثوابت في التحالفات، يعقدون اليوم حلفًا مع من سيكفّرونه غدًا إن اقتضت المصلحة.

شعوبيون: لا يؤمنون بالوطن، فالجماعة عندهم مقدّمة على ليبيا، وعلى الأمة العربية كلها، ولهذا يعادون القوميين والعروبيين وكل من يدعو إلى مشروع وطني جامع.

إنهم التنظيم الذي يلبس عباءة التقوى ليخفي خناجر الخيانة، وينادي بالعدل وهو أول من يظلمه، ويتحدث باسم الأمة وهو أول من يطعنها.

لقد فشل الإخوان في كل مكان وصلوا إليه، لأنهم لم يعرفوا معنى الدولة، ولم يفرّقوا بين الدين كقيمة سامية والسياسة كفنٍّ للمصلحة العامة، الدين عندهم وسيلة، والوطن عندهم ثانوي، والسلطة هي الغاية، وإن التجربة التاريخية، في ليبيا كما في غيرها، أكدت أن الإخوان المسلمين لا يمكن أن يكونوا مشروعًا وطنيًا، لأنهم ببساطة جماعة مغلقة لا تؤمن إلا بذاتها، وتُقدِّم الولاء للتنظيم على الولاء للوطن. استباحوا دماء المواطنين الأبرياء من خلال فروعهم: داعش والمقاتلة والقاعدة وغيرها من التنظيمات الإرهابية.

ولعل خلاصة القول إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالوطن كقيمة عليا، وأن من أراد خدمة ليبيا فعليه أن يتحرر أولًا من عبودية التنظيمات وارتباطات الخارج، وأن يجعل مصلحة البلاد فوق كل راية حزبية أو شعارات دينية زائفة.

زر الذهاب إلى الأعلى