مقالات الرأي

معركة وعي

بقلم/ سالمة الحرش

بين الوعي الزائف وصوت الجهل، تتجلى مأساة العصر الرقمي في أبهى صورها. في زمنٍ أصبح فيه العالم قرية صغيرة، ظنّ الناس أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي سيقود إلى نهضة فكرية وثقافية، وأن المعرفة ستصبح متاحة للجميع بلمسة إصبع. تخيّلوا أن سهولة الوصول إلى المعلومة ستجعل البشر أكثر نضجًا، وأن الحوار سيكون أداةً راقية لتبادل الفهم وتلاقح الأفكار.

لكن الحقيقة جاءت على النقيض. فقد تحوّل هذا الفضاء الواسع إلى منبر للجهل، وساحة مفتوحة لتبادل السموم الفكرية، وترويج الإشاعات المصاغة بإتقان لخدمة أجندات خفية أو نزوات شخصية. لم يعد المحتوى مرآة للمعرفة، بل صار أداةً لتوجيه العقول نحو ما يريده صانعوه. وبينما يُفترض أن يكون الفكر أداة للتحرر، أصبح الضجيج سيد الموقف، وصار المضللون أكثر حضورًا من المفكرين.

أصبحنا نعيش زمن الصورة لا الفكرة، وزمن التفاعل لا الفهم، حتى غدت المعايير مقلوبة. يُهاجَم العاقل لأنه يختلف، ويُصفّق للجاهل لأنه يساير الأغلبية. ارتفع صوت الجهل، لا لأنه أقوى، بل لأن الوعي الحقيقي أصبح خافتًا وسط زحام الشعارات والسطحية. في هذا الواقع المربك، يُحار المثقف بين أن يقول أو يصمت، لأن كلماته كثيرًا ما تُستقبل بالسخرية أو التجاهل. صار صاحب الرأي الواعي يُنظر إليه كغريب في زمن الضجيج، ويُستهزأ بفكرته لأن الوعي لم يعد مطلبًا، بل عبئًا.

الجهل لم يعد عيبًا يُستحى منه، بل صار يُقدَّم في ثوب أنيق ويُسوَّق على أنه وعي جديد. وكم من فكرة باطلة تزيّنت بعبارات منمقة فتبنّاها السائرون نيامًا دون تفكير، وكم من باحث صادق أُسكت صوته لأنه لم يجارِ موجة التزييف. أخطر ما في المشهد ليس الجهل نفسه، بل تصدّره للواجهة باسم الحرية والرأي. حين يُصبح كل إنسان “خبيرًا” بمجرد امتلاكه حسابًا، تُفقد القيمة الحقيقية للمعرفة، وتُشوَّه المفاهيم بين العمق والصخب، وبين المعلومة والرأي الشخصي.

لذلك نحن اليوم أحوج ما نكون إلى وقفة تأمل وشجاعة فكرية لإعادة ترتيب المشهد. فالمعركة ليست بين جاهل وعالم، بل بين وعي حقيقي ووعي مزيف، بين من يبحث عن الحقيقة ومن يكتفي بالسطح. وما لم نتمكّن من التمييز بين الاثنين، فسنبقى نعيش في زمن يصفق فيه الناس للباطل، ويضحكون من الحق، دون أن يدركوا أنهم بذلك يكتبون فصول سقوطهم بأيديهم.

زر الذهاب إلى الأعلى