مقالات الرأي

ليبيا.. من زمن الفوضى إلى لحظة الحسم

بقلم/ فرج بوخروبة

في قلب الصحراء الليبية، حيث تلتقي رياح الماضي بالغبار المُحْمَل بآمال الغد، يولد الوطن من جديد، لا من رحم الخطابات، بل من عزيمةٍ لا تلين، ومن قرارٍ لا يُناقَش. لقد طال الليل، وامتدّت سنوات التمزّق حتى كادت تُنسي الليبيين أن لهم دولةً تحميهم، وحدودًا تُحترم، وسيادةً لا تُساوَم. لم تعد السيادة شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي فعلٌ يوميّ، قدرةٌ على الحسم، واستقلالٌ في القرار، وانفرادٌ بالهوية. ومن دون مركزٍ واحدٍ للقوة، لا يُمكن أن ينهض الوطن، بل يظلّ أسير التنازع، فريسةً لكل من يرى في ضعفه فرصةً، وفي انقسامه مطمعًا. إن البناء الوطني الحقيقي لا يُقام على رمال الاتفاقيات المؤقتة، ولا على وعودٍ تتبدّد مع أول اختبار، بل على صخرة الانضباط المؤسسي، وعلى إرادةٍ وطنية لا تعرف التردّد ولا تقبل التقاسم فيما هو مصيري.

إن جوهر التحوّل التاريخي الذي تنتظره ليبيا اليوم يكمن في ولادة مرجعية وطنية للقوة، لا تُنازعها سلطة في حسم الأمور المصيرية، ولا تُشاركها زمام الحماية العليا. هذه المرجعية ليست سلطة فوق الدولة، بل هي الدولة نفسها وهي تنهض من ركام الانقسام، تحمل سيفًا لا يُسلّط على الشعب، بل يُرفع دفاعًا عن كرامة الوطن وثروته وحدوده. إنها التي تبدأ فورًا، بلا تأخيرٍ ولا مساومة، بحصر السلاح في يد الدولة وحدها، لا بالكلام المعسول، بل بالفعل المنظّم الحازم، لتجتثّ جذور الميليشيات وتحولها إلى ذكرى مؤلمة من زمن الفوضى. وهي التي تُعيد للجيش هيبته، ليكون جسرًا بين الشعب ومؤسساته، لا حاجزًا بين فرقاء، ولا أداةً في يد طرفٍ ضد آخر. ومن خلالها وحدها، تُؤمن حقول النفط وموانئ التصدير، وتُغلق منافذ التهريب والإرهاب، فلا يعود الوطن ساحةً مفتوحةً لكل من هبّ ودبّ، بل كيانًا مُحصّنًا، يُحترم داخله ويُهاب خارجه.

ولأن السيادة لا تُبنى بالبنادق وحدها، فإن هذه المرجعية تضطلع بدور الوصي الوطني على المسار السياسي، لا لتعوقه أو تُعطله، بل لتصونه من التلاعب والابتزاز، ولتُهيّئ له بيئةً لا تهتزّ عند أول تهديد. فهي التي تضمن أن تبقى المؤسسات المالية والاقتصادية — كالبنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط – بعيدةً عن مزاج السياسيين المتقلّبين، وأن تُدار الثروة الوطنية لصالح كل الليبيين، لا كأداةٍ في صراعاتٍ جانبية أو ورقةٍ تُقدّم في مفاوضاتٍ مشبوهة، وهي التي تحمي الدستور القادم، وتحضّر لانتخاباتٍ حقيقية، لا تخضع لإكراه السلاح غير النظامي، بل تعبّر عن إرادة شعبٍ استعاد ثقته بنفسه، وعرف أن صوته لا يُشترى ولا يُهدّد. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الدور الأمني كوصاية دائمة، بل كمرحلة ضرورية، بل وحتمية، لبناء شرعية مدنية لا تهتزّ عند أول اختبار، ولا تنهار عند أول خلاف.

ولا يكتمل البناء دون معالجة الجراح التي خلّفتها السنون. فالمصالحة ليست كلماتٍ تُقال في المؤتمرات، ولا لقاءاتٍ تلفزيونية تُبرمَج للعرض، بل هي عدالةٌ تُنفّذ، وتعويضٌ يُسلّم، وكرامةٌ تُستعاد. وهنا، لا يمكن أن تنجح العدالة الانتقالية دون قوةٍ تضمن تنفيذ أحكامها، وتحمي ضحايا الماضي من أن يُنسَوا مجددًا، أو يُضحّى بهم على مذبح “المصالح العليا” الزائفة. إن وجود قيادة قوية وموحّدة هو الضامن الوحيد لعدم تكرار الانتهاكات، ولتنفيذ الأحكام القضائية دون تمييز أو تأخير. كما أن التنمية الحقيقية لا تزدهر في ظلّ فوضى السلاح، بل تحتاج إلى يدٍ تحمي المشاريع، وتحارب الفساد، وتوزّع الثروة بعدلٍ لا يميّز بين شرقٍ وغرب، أو شمالٍ وجنوب. فالنفط ليس ملكًا لمن يسيطر على الحقل، بل هو ملك كل ليبي، من أقصى الكفرة إلى أقصى الزاوية، ومن غات إلى درنة.

إن المرحلة التي تمرّ بها ليبيا اليوم ليست ككل المراحل؛ فهي لحظة الحسم، لحظة الفصل بين زمن الفوضى وزمن الدولة. ولا يمكن أن يُبنى المستقبل على ما بقي من ركام الماضي دون تنقيةٍ وتطهير. وهنا، لا بدّ من وضوحٍ قاطع: إن أي محاولةٍ لتقاسم السيادة، أو تفتيت القرار الأمني، أو إبقاء السلاح خارج إطار الدولة، هي في جوهرها خيانةٌ للوطن، مهما اتّخذت من أقنعة الحوار والتوافق. فالتوافق الحقيقي لا يكون على حساب هيبة الدولة، بل في ظلّها. والوحدة لا تُحقّق بالشعارات، بل بالمؤسسات الموحّدة، والجيش الموحّد، والقرار الموحّد.

لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تفتقر إلى مركز قوة موحّد، تظلّ رهينة للانقسام، ومعرضة لأطماع الخارج. أما تلك التي تبني سلطتها على الانضباط والوضوح، فتنجو من الفوضى، وتُصبح موضع احترام الجوار والعالم. واليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، يحتاج الليبيون إلى قيادةٍ لا يساورها الشك، تضع استعادة هيبة الدولة كأولوية قصوى، لا تتهاون في حماية الحدود، ولا تسمح باستباحة الثروة، ولا تتردد في فرض القانون على الجميع، بلا استثناء. إن القيادة الرشيدة التي تبحث عنها ليبيا ليست تلك التي تتحدث باسم الشعب، بل تلك التي تُعيد للشعب ثقته في الدولة، وتُشعره أن له وطنًا يحميه، لا ساحةً يُستباح فيها.

فلتكن المرحلة القادمة بداية العبور الحقيقي، حيث يُولد المستقبل من رحم الانضباط، وتنمو الوحدة تحت ظلّ راية لا تهتز ولا تنكسر. فليبيا تستحق أكثر من أن تظلّ سجينة الماضي؛ إنها تستحق دولةً حقيقية، قويةً، عادلةً، موحّدةً، لا صوت يعلو فيها فوق صوت القانون، ولا سلطة تعلو على سلطة الوطن. وإن السبيل إلى ذلك لا يبدأ بالنقاش، بل بالحسم؛ لا بالانتظار، بل بالبناء؛ لا بالانقسام، بل بالانضباط. فلتكن إرادتنا أقوى من فرقتنا، ووحدتنا أعمق من خلافاتنا، وعزيمتنا أنقى من كل شائبة. ففي ذلك، وحده، خلاص ليبيا.

زر الذهاب إلى الأعلى