مقالات الرأي

المهيكل.. إعادة تدوير أم حل للأزمة؟

بقلم / ناصر سعيد

أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مؤخرًا إطلاق ما سمّته «الحوار المهيكل»، متضمّنًا لجانًا متخصصة تمتد أعمالها لستة أشهر، بانتظار أن ينجز مجلسا النواب والدولة ما عجزا عن إنجازه منذ سنوات.

لكن خلف هذا العنوان “الحميد” يبدو أن ليبيا مقبلة على نفق جديد قد يطيل أمد الأزمة أكثر مما يقرّبها من الحل، في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية، وانقسام الإرادات المحلية والدولية معًا.

من الناحية السياسية، لا يمكن النظر إلى هذه المبادرة إلا بوصفها مناورة جديدة أكثر من كونها مشروع إنقاذ حقيقي، فالبعثة الأممية تدرك أن المشهد الليبي لا يزال رهين صراعات المصالح الدولية والإقليمية المتشابكة، وأن الأطراف الفاعلة في الملف الليبي ـ سواء في واشنطن أو بروكسل أو أنقرة أو موسكو ـ لم تحسم موقفها تجاه شكل التسوية النهائية ولا طبيعة السلطة المقبلة في ليبيا.
ومن ثمّ، فإن ما تسميه البعثة “الحوار المهيكل” يبدو أشبه بمحاولة لشراء الوقت وتدوير الأزمة بدل حسمها.

في الداخل، لا يمكن لأي مبادرة أن تنجح في ظل واقع سياسي تغلب عليه الانتهازية والارتهان للخارج، فمجلسا النواب والدولة أثبتا، خلال السنوات الماضية، أنهما عاجزان عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية والسياسية، أغلب أعضائهما مجموعة ارتزاقيه تتحصن خلف اصطفافات جهوية ومصالح شخصية، وتتشبث بالأوضاع القائمة لأنها تدرّ عليهم المنافع والامتيازات والحصانة.

هذا الانسداد البنيوي هو الذي جعل البعثة الدولية تبحث عن “مسار بديل”، ولكنها في الواقع تدور في نفس الحلقة المفرغة.

السؤال الجوهري هنا: هل تستطيع هذه اللجان إعداد حلول حقيقية تختلف عمّا كُتب في السنوات الأربع الماضية بشأن القاعدة الدستورية وآليات الانتخابات وحكومة؟
الجواب المنطقي: من الصعب جدًا، طالما أن القواعد نفسها التي عطلت الحل لا تزال في مواقعها، وطالما أن البعثة الأممية تعمل دون ضغط دولي حقيقي على المعطلين، فالحوار مهما كان “مهيكلاً” لن يُنتج نتيجة مختلفة ما لم يتغيّر السياق السياسي والبيئة الحاكمة له.

قد ينتهي الحوار المهيكل إلى أحد مسارين:

  1. فرض مخرجات دوليًا عبر قرار من مجلس الأمن، وهو احتمال مرهون بمدى التوافق بين القوى الكبرى، وهو حتى الآن غير قائم؛
  2. أو تعثر المسار كما تعثرت سابقاته، ليتحوّل المشروع إلى ما يمكن وصفه بالعامية الليبية: «تزميط في البحر» ـ أي مجرد حركة شكلية بلا نتائج.

إن الحوار المهيكل قد يكون آخر محاولات البعثة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنه في الواقع يعكس ارتباكًا دوليًا وفشلًا محليًا. فالأزمة الليبية اليوم لا تحتاج إلى “هياكل حوار” جديدة، بل إلى إرادة سياسية وطنية تنهي عبث المتنفذين وتعيد القرار إلى الليبيين أنفسهم.

وبغير ذلك، سيظل الحوار يدور في الدائرة نفسها، والبلد يقترب أكثر من حافة الانهيار، بينما يواصل السياسيون «محلك سر»”.

زر الذهاب إلى الأعلى