من مسؤولية الوزارة إلى مستقبل الطالب… جدل تصريح وزير التربية والتعليم عن تعاطي بعض المعلمين للمخدرات

بقلم/ علي رمضان
الساحة التعليمية في ليبيا شهدت مؤخرًا جدلًا واسعًا بعد تصريح وزير التربية والتعليم، الذي قال فيه إن هناك معلمين يتعاطون المخدرات داخل قطاع التعليم.
جاء هذا التصريح على الملأ، الأمر الذي فتح أبواب النقاش على مصراعيها حول جدوى هذا الاعتراف، وطبيعته، وتوقيته، وطريقة التعامل معه.
فالاعتراف بوجود خلل داخل المؤسسات التعليمية ليس أمرًا جديدًا ولا غريبًا، فكل مؤسسة بشرية قد تواجه حالات استثنائية أو انحرافًا سلوكيًا. لكن الإشكال يكمن في طريقة التصريح؛ فهل كان الاعتراف ضرورة لتشخيص المشكلة أمام الرأي العام؟
أم كان إفصاحًا غير محسوب الأثر ألقى بظلاله على سمعة آلاف المعلمين الشرفاء الذين يؤدون عملهم بإخلاص؟
من المعروف في بروتوكولات العمل الحكومي أن القضايا الحساسة، خصوصًا تلك التي تمس صورة المعلم – رمز التربية وقدوة الطالب – يتم التعامل معها عبر عدة طرق، منها المعالجة الداخلية للمشكلة، والتحقيق الإداري والقانوني، ومن ثم البحث عن الحلول. وبعد كل هذه الإجراءات يتم الإعلان عن النتائج أو الإجراءات المتخذة، لا عن المشكلة في حد ذاتها.
وبالتالي، فإن التصريح العلني بهذه الصورة قد يُفهم لدى الجمهور على أنه اتهام عام للمؤسسة بدلًا من كونه معالجة دقيقة لخلل جزئي.
المعلم في المجتمع الليبي، كما في كل المجتمعات، ليس مجرد موظف حكومي يؤدي عملًا يوميًا، بل هو قدوة وصانع وعي ومؤثر تربوي. وعليه، فإن أي كلام يتعلق بسمعته أو أخلاقياته لا يخص فردًا واحدًا، بل يمس مكانة التربية ذاتها.
فبدلًا من إطلاق التصريحات العامة، كان من الأولى تحديد الحالات ومتابعتها قانونيًا، وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، وإثبات احترام الوزارة لمهنة التعليم ولأهلها.
مما سبق يمكن أن نتساءل: ما الدور المنتظر من وزير التعليم؟
الدور الطبيعي لأي وزير تعليم لا يقتصر على إدارة وزارته ودواوينها ومكاتبها، بل يشمل إصلاح المناهج وتطويرها بما يتناسب مع العصر، وتأهيل المعلمين نفسيًا وأكاديميًا، لأن المعلم قبل أن يشرح الدرس يجب أن يكون إنسانًا مستقرًا وقادرًا على أداء دوره التربوي.
كذلك من واجبه العمل على تحسين البيئة المدرسية من حيث المباني والفصول الدراسية، وتوفير الوسائل التعليمية التي تفتقدها أغلب المؤسسات التعليمية في بلادنا.
وزد على ذلك، من واجبات وزير التعليم – من خلال دواوينه الإدارية – توفير الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب، خصوصًا في بلد يعاني من آثار الحروب والأزمات، ورفع قيمة التعليم في المجتمع عبر خطاب إعلامي يحترم المعلم ويعزز دوره.
فالمعلم لا يتطور تلقائيًا، بل يحتاج إلى برامج تدريب، ومراقبة تربوية، ودعم نفسي، وتحسين رواتب تضمن له حياة كريمة تقلل أي احتمالية للانحراف أو الضغط أو اليأس.
يمكننا من خلال ما سبق أن نؤكد أن أزمة التعليم في ليبيا هي أزمة منظومة وليست أزمة أفراد. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود معلمين متعاطين – إن صحت النسبة وأماكن الحالات – بل تكمن في غياب نظام تقييم ومتابعة مهني مستمر، وضعف الرقابة التربوية والتفتيش المدرسي، وغياب برامج التأهيل والدعم النفسي للعاملين في التعليم، وغياب بيئة مدرسية صحية وجاذبة.
وللخروج من هذا الجدل، الذي تسبب فيه تصريح وزير التربية والتعليم، فإن المطلوب اليوم هو خطاب مسؤول يحافظ على هيبة التعليم، وتنفيذ خطوات عملية بدل التصريحات، ومراجعة وتفعيل قوانين السلوك التربوي.
وأهم ما هو مطلوب في هذه الفترة، هو تقدير المعلم الذي يعمل بضمير، بدل وضعه في قالب الاتهام العام. فاحترام مهنة التعليم ليس ترفًا، بل ضرورة لبناء وطن.
وإذا أرادت ليبيا أن تخرج من أزمتها، فعليها أن تبدأ من الفصل الدراسي، ومن المعلم الذي يقف أمام تلاميذه كل صباح.
