مقالات الرأي

الغرور والجهل أخطر أنواع المخدرات

بقلم الدكتور / نجمي الصاوط

في خطوة أثارت جدلاً واسعًا، خرج وزير التعليم مؤخراً بتصريحات اتهم فيها شريحة المعلمين بتناول المخدرات، مؤكداً أن بعضهم غير قادر على ضبط النفس أمام المغريات، تصريحات كهذه لا تُعد مجرد زلة لسان أو نقدًا عابرًا، بل هي اتهام واسع لشريحة فاعلة في صناعة المستقبل: المعلمون.

إن ما نراه هنا ليس مجرد اتهام قانوني أو اجتماعي، بل انعكاس لظاهرة أكبر تتمثل في الغرور والجهل، اللذين يمكن أن يكونا أخطر أنواع المخدرات التي يمكن أن تصيب مجتمعًا بأسره. فالغرور يجعل صاحب السلطة يظن أن امتلاك منصب أو سلطة يعطيه الحق في التعميم وإصدار الأحكام دون بينة. والجهل، من جانبه، يجعله عاجزًا عن إدراك عواقب تصريحاته على المجتمع وعلى أولئك الذين يشكلون دعائم المستقبل: المعلمون.

المعلم هو الذي يزرع القيم في عقول الأجيال، وهو من يصنع الإنسان قبل أن يصنع العلم. وهو من يبني العقل والضمير قبل أن يبني المنهج الدراسي. أن توجه إليه الاتهام بلا دليل، ويُقال إن مرتبه لا يكفي ليشتري المخدرات، فهذا في ذاته استخفاف بالمهنة وبالعقول التي يربيها المعلمون يوميًا. فهل من المعقول أن يختصر صانع الأجيال بمادة مخدرة يمكن قياسها بالمال؟

الغريب أن الوزير، وهو المسؤول عن توجيه السياسة التعليمية، لا يدرك أن الكلمة التي ينطق بها من منصته يمكن أن تكون أشد تأثيرًا من أي عقوبة. فاتهام شريحة بأكملها بلا بينة هو أشبه بإطلاق نار عشوائي على سمعة وأخلاق المجتمع التعليمي. وهنا يظهر الفرق بين المخدرات المادية، التي يمكن أن تسبب أضرارًا جسدية، وبين المخدرات المعنوية: الغرور والجهل، اللذين يخدران القلب والعقل معًا ويقودان الإنسان إلى ضياع لا يفيق منه إلا من استنار بالوعي والتواضع.

إن مواجهة هذه التصريحات تتطلب وعيًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، فالرد ليس فقط بالدفاع عن المعلمين، بل بالتحليل والتفكير العميق في طبيعة السلطة واستخدام الكلام. فالمعلمون، رغم كل التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يواصلون أداء واجبهم النبيل، يواجهون صعوبات تتراوح بين نقص الموارد، وتراجع الدعم، وضغوطات الحياة اليومية، وهم مع ذلك يصنعون أجيالاً قادرة على مواجهة المستقبل.

إن ما نحتاج إليه اليوم ليس توجيه الاتهامات بلا بينة، بل تعزيز قيم الوعي والتواضع، والاعتراف بأن السلطة الحقيقية تكمن في خدمة الناس، لا في التعالي عليهم أو الإضرار بسمعتهم. الغرور والجهل أخطر أنواع المخدرات، لأنهما يفتكان بالمجتمع من الداخل قبل أن يظهر أثرهما خارجيًا. ومن يعتقد أن بلسانه وحده يمكنه إضعاف مؤسسة تعليمية بأكملها، عليه أن يتذكر أن العقول التي صقلها المعلمون أقوى من أي كلمة أو منصب.

في النهاية، علينا أن نميز بين النقد البنّاء، الذي يهدف إلى تحسين الواقع، وبين اتهامات عشوائية تسيء للمهنة وللأشخاص الذين يسهرون على بناء المجتمع. فالغرباء عن هذه الحقيقة قد يظنون أن المخدرات الحقيقية هي تلك التي تؤخذ بالمال، بينما الحقيقة الأعمق أن الغرور والجهل هما المخدران الحقيقيان اللذان يعطلان العقول ويقودان الأمم إلى الضياع.

زر الذهاب إلى الأعلى