مقالات الرأي

العروبة والقضية الفلسطينية المتجذرة

بقلم/ فرج بوخروبة

منذ بداية القرن العشرين، تمثل القضية الفلسطينية قلب الصراع العربي الصهيوني، ومرآةً تعكس واقع الأمة العربية وتحدياتها التاريخية والسياسية. لم تكن فلسطين مجرد قطعة من الأرض تم احتلالها، بل كانت ولا تزال رمزًا لكرامة العرب، ومقياسًا لوحدتهم أو تفرقهم، ولصدق مواقفهم أو تواطئهم.

وفي المقابل، لم تكن العروبة مجرد هوية لغوية أو ثقافية، بل كانت، في جوهرها، مشروعًا تحرريًا ونهضويًا يسعى إلى تحرير الشعوب العربية من الاستعمار والتبعية والتجزئة. ومن هنا، تلاقت العروبة مع القضية الفلسطينية، وتَجذَّر بينهما رابط لا يمكن فصله، حتى أصبحت فلسطين عنوانًا للعروبة، والعروبة درعًا.

أولًا: ظهرت الفكرة القومية العربية في النصف الأول من القرن العشرين ردًّا على الهيمنة الأجنبية، وانهيار الدولة العثمانية، وتكالب القوى الاستعمارية على تقاسم المشرق العربي. كانت العروبة تعبيرًا عن توق الشعوب العربية إلى وحدة سياسية، ونهضة ثقافية، واستقلال فعلي عن كل أشكال الهيمنة.

ولم تكن العروبة نظرية مجردة، بل اتخذت أشكالًا سياسية واضحة، مثل الوحدة المصرية السورية، وتجارب حزب البعث في المشرق، وحركات التحرر الوطني في الجزائر واليمن والعراق. وكانت جميع هذه الحركات، رغم اختلافها، ترى أن تحرير فلسطين هو جزء لا يتجزأ من مشروعها القومي.

ثانيًا: منذ إعلان وعد بلفور عام 1917، بدأت تتضح معالم المشروع الصهيوني الاستيطاني، الذي لم يكن يهدف فقط إلى احتلال فلسطين، بل إلى زرع كيان غريب في قلب العالم العربي لفصل شرقه عن غربه، وتعطيل أي مشروع وحدوي عربي. ولهذا، لم تُعتبر القضية الفلسطينية يومًا “قضية محلية” أو مجرد “نزاع حدودي”، بل كانت ولا تزال قضية الأمة العربية المركزية.

لقد شكّل احتلال فلسطين عام 1948 وقيام دولة الاحتلال الإسرائيلي نكبة كبرى للأمة، وتسبّب في هزات عميقة داخل المجتمعات والدول العربية، وأجّج مشاعر الغضب والرفض، وولّد حركات مقاومة وشعوبًا لم تتوقف عن دعم الفلسطينيين في نضالهم الطويل.

ثالثًا: ما إن بدأت ملامح الكيان الصهيوني تتبلور، حتى تفاعلت الشعوب العربية بقوة مع الحدث. فقد شارك آلاف المتطوعين العرب في حرب 1948، وخرجت جماهير في العواصم العربية تندد بالتقسيم والاحتلال، وتطالب حكوماتها بالتحرك. وقد لعبت الصحافة العربية، والجامعات، والنقابات، والمساجد، دورًا بارزًا في تعبئة الرأي العام.

وفي الخمسينيات والستينيات، كانت موجة القومية العربية في أوجها، حيث رفع الزعيم جمال عبد الناصر راية فلسطين في كل خطاب، وارتبط اسمه بالمقاومة، ودعم الفدائيين، واحتضن منظمة التحرير الفلسطينية. بل إن بعض الحركات الفلسطينية نفسها تأسست على أساس قومي، كحركة “الصاعقة” المقرّبة من البعث السوري، وغيرها.

وقد كانت معركة الكرامة عام 1968 نقطة تحول، أكدت أن الفلسطينيين قادرون على المقاومة، وأن دعمهم القومي ليس مجرد شعارات، بل ممكن أن يتحوّل إلى نصر وإنجازات ميدانية.

رابعًا: لم تقتصر مركزية القضية الفلسطينية على السياسة فقط، بل تجذّرت أيضًا في الوجدان الشعبي العربي. فقد أصبحت فلسطين حاضرة في المناهج الدراسية، والأغنية الوطنية، والشعر، والمسرح، والسينما، والخطاب الديني. وأصبحت رموز كـ “القدس” و”الانتفاضة” و”الأقصى” جزءًا من الوعي الجمعي العربي.

وقد لعبت الانتفاضات الفلسطينية، خاصة انتفاضة عام 1987 (الانتفاضة الأولى)، ثم انتفاضة الأقصى عام 2000، دورًا كبيرًا في إعادة إحياء البُعد القومي والإنساني للقضية، وأثبتت أن الشعب الفلسطيني، رغم الحصار والتضييق، لا يزال متمسكًا بحقوقه، وأن الأمة، رغم الصراعات، لا تزال تعتبر فلسطين قضيتها الأولى.

خامسًا: مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، بدأت القضية الفلسطينية تشهد تراجعًا في أولويتها لدى بعض الأنظمة العربية. فجاءت اتفاقية أوسلو عام 1993 لتطرح نموذجًا جديدًا للتسوية، ثم تلتها اتفاقيات سلام أخرى، كان آخرها موجة التطبيع العربي الرسمي مع الاحتلال الإسرائيلي في السنوات الأخيرة.

هذا التراجع الرسمي ترافق مع انقسام فلسطيني داخلي، وتراجع المشروع القومي العربي أمام صعود الهويات الطائفية والإقليمية. لكن ما يلفت الانتباه هو أن الشعوب العربية لم تنخرط في هذا التطبيع، بل واجهته بالرفض، وتمسكت بموقفها الداعم لفلسطين، وأظهرت أن العروبة لا تزال حيّة، ولو كروح شعبية لا كإيديولوجيا رسمية.

سادسًا: اليوم، وفي ظل تحولات عميقة تعيشها المنطقة، تظهر مؤشرات على بعث العروبة من جديد، لكن بشكل مختلف. لم تعد العروبة فقط مشروع وحدة سياسية، بل أصبحت تعبيرًا عن الكرامة، والاستقلال، والعدالة، ورفض الظلم. وتجد القضية الفلسطينية مكانها في هذه العروبة الجديدة، كقضية تحرّر وعدالة إنسانية.

جيل الشباب العربي اليوم، رغم أنه لم يعش نكبة 1948 أو نكسة 1967، إلا أنه يعيش على وقع العدوان المتكرر على غزة، والانتهاكات في القدس، ويستخدم أدوات العصر من وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإعلام الرقمي للدفاع عن فلسطين وفضح جرائم الاحتلال، وهكذا، يمكن القول إن العروبة لم تمت، بل تتجدد في ضمير الأمة، وفي وعي أجيالٍ جديدة ترى في فلسطين أكثر من خريطة أو شعار، بل قضية إنسانية تستحق التضحية والنضال.

خاتمة

إن العلاقة بين العروبة والقضية الفلسطينية علاقة متجذّرة ومتجددة. فكما أن فلسطين اختزلت معاناة العرب من الاستعمار والاحتلال والخذلان، فإن العروبة اختزلت حلمهم في الوحدة والكرامة والتحرّر. ورغم كل التحديات، لم تنقطع هذه العلاقة، بل تعمّقت، وتحوّلت إلى رمزٍ للصراع من أجل العدالة والحرية.

فلسطين ستظل، ما بقي في الأمة نبض حر، وما بقي في قلوب العرب بقايا من عروبة صادقة، هي القضية المركزية، والنار التي لا تنطفئ.

زر الذهاب إلى الأعلى