لا كرامة لنبي في قومه: حين يُقصى المبدع من حضن وطنه

بقلم/ محمود امجبر
في لحظة تأمل حزينة، يهمس الأديب أو الفنان أو المثقف لنفسه: “لا كرامة لنبي في قومه”. عبارة تتكرر في وجدان كل من شعر أن وطنه لا يراه، لا يسمعه، لا يحتفي به، بينما الآخرون في بلاد بعيدة يصفقون له، يقرأون له، ويمنحونه ما حُرم منه في أرضه الأولى.
العبارة، التي تعود جذورها إلى ما ورد عن المسيح عليه السلام في الأناجيل، تعكس حقيقة مؤلمة: أن المجتمعات كثيرًا ما تُقصي أبناءها المبدعين، لا لأنهم لا يستحقون، بل لأنهم يعرفونهم أكثر مما ينبغي. فالاعتياد يقتل الانبهار، والنجاح القريب يُنظر إليه بعين الريبة لا الإعجاب.
المبدع، كالنبي، يحمل رسالة، لكنها ليست دينية، بل فكرية أو فنية أو ثقافية. وحين لا تجد هذه الرسالة صدى في بيئته، يشعر وكأنه يُنادي في صحراء، لا يسمعه إلا الغريب.
الفن يحتاج إلى اعتراف.. لا إلى تجاهل
الفنان لا يكتفي بالإبداع، بل يحتاج إلى التفاعل. يحتاج إلى أن يشعر أن ما يقدمه يُحدِث أثرًا، يُحرّك وجدانًا، يُغيّر فكرة. حين يُحرم من هذا الاعتراف، يشعر بالاغتراب، لا الجغرافي، بل الوجداني. ويبدأ في البحث عن وطن بديل، لا بالضرورة أرضًا، بل جمهورًا.
كم من شاعر لم يُقرأ له في بلده، لكنه أصبح رمزًا في بلاد أخرى؟ كم من رسام لم تُعرض لوحاته في مدينته، لكنها تزيّن جدران متاحف عالمية؟ كم من مفكر لم يُدعَ إلى ندوة محلية، لكنه يُحاضر في جامعات كبرى؟ ومن أمثلة التاريخ:
– جبران خليل جبران.. لم يُحتفَ به في لبنان كما احتضنته أمريكا، وهناك كتب وأبدع، وهناك عرفه العالم.
– المتنبي.. رغم عبقريته الشعرية، واجه الحسد والعداء في بعض الأماكن التي عاش فيها.
– نجيب محفوظ.. نال نوبل، لكن كثيرًا من المثقفين العرب شككوا في استحقاقه، بينما الغرب احتفى به كرمز أدبي عالمي.
ربما المشكلة ليست في المبدع، بل في المجتمع. فالمجتمعات المحافظة تخشى التغيير، والمبدع بطبيعته يُغيّر، يُزعزع، يُعيد تشكيل المفاهيم، لذلك يُقصى، ليس لأنه لا يستحق، بل لأنه يُربك النظام السائد.
وقد يكون التقدير بحاجة إلى مسافة. حين نبتعد عن الشخص، مكانيًا أو زمنيًا، نبدأ في رؤيته بوضوح. نبدأ في فهم قيمته. لذلك لا يُحتفى بالمبدع إلا بعد رحيله، أو بعد هجرته، أو بعد أن يُحتفى به في الخارج.
هنا السؤال الأهم: هل يجب على المبدع أن يرحل ليُحتفى به، أم أن المجتمعات بحاجة إلى إعادة تعريف علاقتها بأبنائها المبدعين؟ هل يمكن أن نُعيد بناء ثقافة الاعتراف، ثقافة الاحتفاء، ثقافة التقدير؟
ربما يبدأ الحل من التعليم، من الإعلام، من المؤسسات الثقافية. حين نُعلّم الأجيال أن المبدع ليس تهديدًا، بل ثروة. حين نُربّي على أن النجاح لا يُقصى، بل يُحتضن. حينها فقط، قد نكسر هذه العبارة المؤلمة: “لا كرامة لنبي في قومه”.
