شعبٌ لا يُقهر.. إرادة الصمود الفلسطيني

بقلم/ محمد علوش
منذ أكثر من سبعة عقود، لم يعرف الشعب الفلسطيني سوى طريق واحد محفوف بالوجع والأمل معًا، طريق يعبَّد بالصبر والتضحيات، وتتناثر على جنباته دماء الشهداء وآهات الأسرى وحجارة الأطفال، ومع ذلك، ظلّ الفلسطيني واقفًا، كزيتونة لا تنحني لريح، وكجدار من ذاكرة لا تهزم.
إنّ إرادة الصمود لم تكن يومًا شعارًا يرفع في الميادين، بل فعل حياة يتجدّد كل صباح في عيون ترفض الانكسار؛ في أمّ تودّع أبناءها بالزغاريد، وفي عامل يعبر الحواجز بحثًا عن لقمة تحفظ الكرامة، وفي طالب يتوجّه إلى مدرسته تحت القصف، حاملًا دفترًا كراية صغيرة في وجه العدم.
لم يختر الفلسطيني الحرب، لكنه اختار ألّا يستسلم، ولقد جُرِّبت عليه كلّ صنوف القهر: من التهجير إلى الحصار، ومن النفي إلى الجدار، ومن محو الهوية إلى تشويه الرواية، غير أنّ إرادته بقيت — وما زالت — عصيّة على الانكسار، لأنها نبتت من جذور ضاربة في الأرض والتاريخ، ولأنها تعبّر عن حقّ لا يسقط بالتقادم.
وفي كل محطة من محطات النكبات المتكرّرة، كان الفلسطيني يعيد اكتشاف ذاته في رماده، ويصنع من ألمه طاقة جديدةً للبقاء، فمن رحم المأساة وُلدت المقاومة، ومن تحت الركام نهضت الحياة، ومن قلب الحصار تخلّقت ملحمة الكرامة اليومية، التي جعلت من الشعب الفلسطيني رمزًا عالميًا للثبات في وجه الاستعمار والعنصرية.
إنّ إرادة الصمود لا تقاس بعدد البنادق، بل بقدرة الوعي على أن يحافظ على معناه في زمن الخراب، وهي فعل مقاومة ثقافية وسياسية واقتصادية وإنسانية، تبدأ من الكلمة وتمتدّ إلى الفعل، وتترسّخ في الإيمان العميق بعدالة القضية، ولهذا ظلّ الفلسطيني قادرًا على تحويل كل ضربة إلى درس، وكل خيبة إلى عزيمة، وكل محاولة كسر إلى حافز للنهوض من جديد.
ولعلّ العالم، رغم ازدحامه بالصراعات، لم يجد في العقود الأخيرة مثالًا أنبل على صلابة النضال والصمود والإرادة من هذا الشعب الذي يعيش على أرض تقصف، ويمشي فوق ركام يتحوّل إلى حديقة، ويزرع الأمل في تربة مشبعة بالدموع، ولقد فشل الاحتلال في كسر روح الفلسطيني، لأنه لم يدرك بعد أنّ هذه الروح لا تقهر، وأنّ القوة الغاشمة مهما بلغت لا تستطيع أن تنتصر على من يملك الإيمان بقضيته، فالإرادة هنا ليست موقفًا سياسيًا فحسب، بل هي هوية وجود وشهادة انتماء إلى التاريخ الإنساني في أبهى معانيه.
اليوم، ونحن نواجه مرحلة جديدةً من الصراع، تشتدّ فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبقى إرادة الصمود هي سلاحنا الأول والأخير، وهي التي تحفظ لنا وحدتنا حين يحاول الآخرون تمزيقها، وهي التي تذكّرنا بأنّ الحرية لا تمنح، بل تنتزع، وأنّ من يصبر على الجمر يكتب فجره بيده.
فليعلم العالم كلّه أن الفلسطيني، مهما ضاق به المكان وتثاقلت عليه الجراح، لن يتنازل عن حقّه في الحياة والكرامة والدولة، لأنه ببساطة لا يعرف سوى أن يكون حرًا، وغدًا، حين يزول الاحتلال كما زالت قبله كلّ الإمبراطوريات الظالمة، سيكتب على أبواب فلسطين بيت واحد من الشعر: “هنا شعبٌ صمد، فبقي، لأنّ إرادته كانت أقوى من الفناء”.
