مقالات الرأي

المشروع الوطني بين الانقسام ومستنقع الفساد

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

 أمام ما يحدث في ليبيا من انقسامٍ سياسيٍ خطير بين أطرافٍ تتشبّث بمصالحها الضيقة وتغيب عنها روح المسؤولية الوطنية، يجد الليبيون أنفسهم وهم ليسوا بنيام فقط في حالة غثيان أمام جريمةٍ حقيقية ترتكب في حق الوطن. فهذه الأطراف الفاسدة سياسيا وأخلاقيالا تزال متمسكة بمشاريع سلطوية تُعمّق الشرخ بين الليبيين، وترفض الجلوس على طاولة واحدة للوصول إلى اتفاقٍ ينقذ البلاد من أزمتها الممتدة منذ سنوات. هي تمثل حالة عبث وفوضى وتردٍّ.

ويُحمّل كثيرون بعثة الأمم المتحدة مسؤولية الفشل في فرض حل سياسي، في حين أن قرار تأسيسها من مجلس الأمن لا يمنحها سلطة فرض الحلول، بل يحدد دورها في تيسير الحوار بين الليبيين ودفعهم نحو التوافق. إلا أن جوهر المشكلة يكمن في الإرادة المحلية، وفي التنظيمات التي لا تزال تُصرّ على فرض سيطرتها على المشهد الوطني، متذرعة بذرائع زائفة للحفاظ على نفوذها الذي

يجعل منها سلطة متعجرفة في قمة الغطرسة والعناد دون أي اعتبار لمصلحة الوطن، وفي ظل هذه الانتكاسة الخطيرة للديمقراطية، تبرز الحاجة الملحة إلى مشروع وطني جامع يعيد صياغة مفهوم الدولة على أسسٍ سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية واضحة.

مشروعٌ ينطلق من إرادة الشعب، ويستند إلى الاختيار الشعبي كإيديولوجية وممارسة، وإلى المرجعية القانونية للشعب ذاته، في ظل احترام حقوق الإنسان وفصل الدين عن السياسة، لبناء دولة وطنية حديثة مستقلة القرار.لكن قبل أن نصل إلى هذا المشروع المنشود، لا بد من مواجهة حقيقة الفساد المستشري الذي يلتهم جسد الدولة. فالمتصارعون على السلطة اليوم يستمدون قوتهم من المال العام، يمارسون النهب والاختلاس، ويوزعون المناصب على الأقارب والموالين، بينما تتسلط جماعات كالإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة على مفاصل الدولة لتقويض مؤسساتها.

لقد تحولت السلطة إلى وسيلة للثراء والهيمنة، وأُقصي الشرفاء وأُفسح المجال أمام من تلوثت أيديهم بالفساد، حتى أصبحت أبسط مشاريع التنمية تُدار بعقلية النهب والمحسوبية.

إن المشروع الوطني الحقيقي لا يُبنى على الأطماع، بل على وعيٍ جمعيٍ صادقٍ يعيد للدولة هيبتها، وللشعب حقه، وللوطن وحدته واستقراره.

زر الذهاب إلى الأعلى