الصحة بين رقمنة العالم وبدائية الواقع

بقلم/ علي المبروك أبوقرين
العالم يركض بسرعة الضوء نحو أفقٍ جديدٍ للصحة، حيث تتقاطع التقنية بالإنسان، والعلم بالرحمة، والمستقبل بالحاضر في تزاوجٍ مدهشٍ لا يعرف الحدود. لم يعد الطب كما كان، فالعقول الذكية تُشخّص الأمراض قبل ظهورها، والبيانات تُنذر بالخطر قبل أن يشعر الجسد بالألم، والإنسان بات محور منظومةٍ رقميةٍ تحيط به رعايةً وتنبؤًا واستباقًا.
في هذا العالم الجديد تُدار الصحة من مركزٍ واحدٍ متكامل، تفتح تطبيقك فتصل الرعاية الطبية والنفسية والغذائية والسلوكية والرياضية والاجتماعية والبيئية في نظامٍ موحّدٍ من عافية الإنسان. السجلات الصحية صارت رقمية متصلة بالمرافق الطبية، تتابع المريض منذ الولادة حتى الشيخوخة، والذكاء الاصطناعي أصبح الطبيب المساعد، والطبيب الموجّه الإنساني للآلة، والتطبيب عن بُعد بات ضرورة وجودية.
لكن في مكانٍ آخر من هذا العالم المتجدد ما زال البعض يعيش في عتمة الماضي، والمستشفيات تتداعى، وأجهزتها لا تعمل، وملفاتها الورقية تتكدس، وأطباؤها يعملون بأدواتٍ من زمنٍ آخر، دون نظمٍ معلوماتيةٍ أو بروتوكولاتٍ واضحة. الطبيب لا يعرف ماضي مريضه، والمريض لا يعرف إلى أين يذهب، والنظام الصحي كله لا يعرف نفسه.
فبينما العالم يطبق مفهوم “الصحة الواحدة” و“الصحة الرقمية”، ما زلنا نعيش نموذجًا بدائيًا يتعامل مع الجسد كآلةٍ معطوبة لا ككائنٍ متكامل. نظامٌ يفتقد الرؤية، والكوادر المؤهلة، والتخصصات الدقيقة، والربط بين القطاعات، حتى الإسعاف والطوارئ بلا منظومةٍ زمنيةٍ ولا مساراتٍ علاجيةٍ واضحة، والناس يتنقلون بين المصحات كما يتنقل العطشان بين السراب والخيبة.
الأسئلة المهمة:
كيف نلحق بالعالم؟ وكيف نقفز إلى الرقمنة ونحن لا نملك أساس الورق؟ وكيف نبني طبًا استباقيًا ونحن لم نتقن بعد معنى الوقاية؟ وكيف نؤسس منظومة صحة إلكترونية ونحن نفتقد منظومة صحة بشرية؟
إن مواكبة التطورات العالمية لا تحتاج إلى المال وحده، بل إلى إرادة إصلاحٍ حقيقية تعيد بناء الهيكل من جذوره، من التعليم الطبي إلى التدريب الصحي، ومن البنية التحتية إلى الإدارة الذكية. فلا يمكن لبرمجيةٍ أن تُصلح نظامًا بلا روح، ولا لتقنيةٍ أن تعوّض ضميرًا غائبًا.
العالم يتجه إلى “الصحة الواحدة” التي ترى الإنسان والطبيعة والبيئة كمنظومةٍ مترابطة، بينما نحن ما زلنا نرى المريض كرقمٍ في سجلٍ منسيّ. لكن الأمل لا يغيب، فكل إصلاحٍ يبدأ من الاعتراف بالخلل، ومن الشجاعة في طرح السؤال:
هل نحن مستعدون لننتمي إلى المستقبل؟ وهل نملك شجاعة بناء نظامٍ صحيٍّ حديثٍ يليق بكرامة الإنسان وحقه في الحياة؟
إن الرقمنة ليست ترفًا تقنيًا، بل أداة بقاءٍ حضاري، والصحة الإلكترونية ليست مستقبل الطب، بل حاضره. ولكن قبل أن نُدخل البيانات إلى النظام، علينا أن نُدخل الأخلاق إلى الضمير، والوعي إلى القرار، والإيمان بأن الإنسان هو مركز الصحة لا مجرد موضوعها. فإذا وعينا ذلك، نستطيع أن نحول هذا الواقع المريض إلى بدايةٍ جديدة، ونكتب فصلًا جديدًا من تاريخٍ صحيٍّ راقٍ، تستعيد فيه البلاد عافيتها بوعيٍ ورقمنةٍ وإنسانية.
