مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 12

بقلم/ مهدي امبيرش

في المداخلة السابقة أشرنا بسرعة إلى الخلاف الحاد الذي دار بين الأقليات الإغريقيّة التي عاشت في مستعمراتها في آسيا الصغرى، وبين سقراط وتلميذه أفلاطون، هنا نجد أنفسنا مضطرين في كل مرة أن نعيد القول على سبيل التذكير، وأسلوب التذكير من خلال طرح الأسئلة هو الذي عرف عن أفلاطون بأنه التوليدية(maieutics)، حيث إن منهج تفكير أفلاطون لاهوتيٌ، ضمن المصطلح الذي ذكرناه كثيرًا وهو (theology)، حيث المقطع الأول (theos)، الإله الذي يقبع في السماء، وبهذا يكون تفكير أفلاطون ارتكاسيا ارتجاعيا، إذ يرى أن الحقيقة المفارقة في السماء هي وحدها التي نسلّم أنها الحقيقة، وأن الذي نراه حولنا من موجودات في الطبيعة ليست سوى وهم، وإذا كان لها مهمة فإنها تذكرنا بعالم الكمال في الأرض، وبهذا يخرج أفلاطون عالم المدركات من الحقيقة، وأنه لا سبيل إلى الوصول إلى الحقيقة إلا بتجرد النفس من الجسد وصعودها في رحلة معراجية إلى السماء، هنا يكون مفهوم الثيولوجي، أن الإله أو المطلق موجود في السماء كما ذكرنا، ولأنه كذلك فهو منطقي ومحدود، ويكون إدراكه من خلال التفكير المجرد، وبهذا يصل أفلاطون إلى نتاج تأثير الرياضي فيثاغورث الذي كان يقول إن العالم الحقيقي هو عالم الأعداد المجردة، وبهذا وصل فيثاغورث إلى ما يعرف حسب المصطلح العربي بالصوفية، التي مفهومها الصفاء، ويكون الصفاء هو التجرد من المادة، فلا عجب إن تحولت تعاليم فيثاغورث إلى حركة عدمية باطنية.

قد يكون ما نسمعه اليوم من لغة الأعداد حالة من حالات العدمية كذلك، وهي تعبر عن نهاية التفكير الأوربي الذي قلنا إنه عبر عن نفسه بموت الإله عند الألماني “فريدريك نيتشه”، وإن كان توجيه نيتشه إلى ترك الماورائي الغيبي والتجريد السكوني، وهذا واضح في انحياز نيتشه إلى الحركة والتغيير والوقوف ضد أفلاطون والتراجيديا، ويجعل من ديونيسيوس، إله العربدة والمجون في مقابل أبولو، أو مع المدرسة الطبيعية في آسيا الصغرى أو الأيونية مقابل سقراط وأفلاطون والمدرسة الايلية، التي أنشأها المهاجرون الإغريق في جنوب إيطاليا، على أن موت الإنسان الذي قال به الفرنسيان: رولان بارت، وميشيل فوكو، ونهاية التاريخ عند فوكاياما نماذج لهذه النزعة العدمية أو النهاية وبلوغ مرحلة الكمال.

نعود إلى أفلاطون وإلى أسلوبه في المحاورات التي نسبها إلى أستاذه سقراط وكانت على الجملة تجعل من سقراط محاورًا للمتكلمين الذين عرفوا بالسفسطائيين ممن سكنوا في المستعمرة الإغريقيّة في آسيا، وأن التوليدية تكون عنده بطرح الأسئلة وليس تقديم الإجابات، وأغلب هذه الأسئلةأسئلة مطلقة أو ماهوية من أجل إخراج خصومه المتكلمين الذين يقولون إن في مقدورهم أن يعلموا الناس الحكمة من خلال تعليمهم الخطابة، وهو ما يرفضه أفلاطون وأستاذه سقراط على أساس أن الحكمة لا يمكن تعليمها إلا من خلال الاتصال بالمطلق السماوي أو الصعودي والمعراج إلى حيث الإله، وهو ما جعل أفلاطون يطول المعراج الزرادشتي الخرافي إلى معراج عقدي من خلال ما عرف عنه بالجدل الصاعد والجدل الهابط، فإذا جمعنا هذه الأفكار وعلاقة أفلاطون بفيثاغورث، يمكن القول إن النقلة الذهنية عند أفلاطون هي التي حولته من مفكر عقلاني إلى مفكر صوفي، ربما لأن أفلاطون نفسه خاصةً بعد مقتل أستاذه سقراط وإعدامه تقترب هذه الحالة من تحول أبي حامد الغزالي الفقيه العقلاني إلى صوفي يؤمن بالعلم اللدني، لأن الفقيه والعقلاني يلتزم بما يعرف بالنص، وأن حركته محدودة داخل الشكل، ومن ثم تحول الغزالي من فقيه إلى صوفي عدمي، وهذا يبدو من خلال الخلاف بين الغزالي وابن رشد الحفيد الذي بقي فقيها عقلانيًا كأي قاضٍ، وكان تأثيره واضحًا في الفكر الأوروبي خاصة عند توما الأكويني،أي أنه صار الأقرب إلى أرسطو وإلى مربع القضايا عنده، أو ما يقوله المناطقة والقضاة بالنص أو الحركة داخل الشكل وليس خارجه.

إن معالجات أخرى في الغوص في التبدلات التي حصلت لأفلاطون ثم الخلاف مع اللغويين في آسيا الصغرى والدور البسيط الذي لعبه أرسطو الذي لم تخرج المدارس الأوروبية عليه حتى الآن مع الإبقاء على التصور الخرافي في أن الكون ثنائية السماء والأرض، وأن الفراغ الذي شغله هرمس أعطى مبررًا لما يعرف بالتأويل الهيرومنطيقي الذي نجد له من يدعو إليه اليوم في أوروبا وخاصة فرنسا وبعض العرب تلاميذ المدرسة الوضعية الفرنسية.

زر الذهاب إلى الأعلى